الشيخ السبحاني
89
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
فهذه التعابير التي هي من قبيل تعليق الحكم على الوصف ، تفيد أنّ العبادة هي الخضوع والتذلّل النابعين من الاعتقاد بألوهية المعبود ، إذ نلاحظ بجلاء كيف أنّ القرآن استنكر عبادة المشركين غير اللّه بأنّ هذه المعبودات ليست بآلهة ، وأنّ العبادة من شؤون الألوهية ، فإذا تحقق وصف الألوهية في شيء جازت عبادته واتخاذه معبودا . وحيث أنّ هذا الوصف لا يوجد إلّا في اللّه سبحانه وجب عبادته دون سواه . فإلى هنا اتضح أنّ الحق في التعريف هو أن يقال : « إنّ العبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بألوهية المعبود » وإلى ذلك يشير العلّامة الحجة المرحوم الشيخ محمد جواد البلاغي في تفسيره المسمى ب « آلاء الرحمن » في معرض تفسيره وتحليله لحقيقة العبادة قال : « العبادة ما يرونه مشعرا بالخضوع لمن يتّخذه الخاضع إلها ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالألوهية » « 1 » . لقد صبّ العلامة البلاغي ما يدركه فطريا للعبادة في قالب الألفاظ والبيان . والآيات المتقدمة تؤيد صحّة هذا التعريف واستقامته . التّعريف الثاني العبادة هي : « الخضوع أمام من يعتقد بأنه يملك شأنا من شؤون وجود العابد وحياته وآجله وعاجله » . توضيح ذلك : إنّ العبودية من شؤون المملوكية ومقتضياتها ، فعند ما يحسّ العابد في نفسه بنوع من المملوكية ، ويحسّ بالمالكية في الطرف الآخر ، يفرغ إحساسه هذا ، في الخارج ، في ألفاظ وأعمال خاصة ، وتصير الألفاظ والأعمال تجسيدا لهذا الإحساس ، ويكون كل عمل أو لفظ مظهر لهذا الإحساس العميق ، عبادة .
--> ( 1 ) آلاء الرحمن ، ص 57 ، طبعة صيدا . وقد طبع من هذا التفسير جزءان فقط .