الشيخ السبحاني
232
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
فالأفعال المتعددة الواردة في هذه الآية أعني قوله : « يزجي » ، « يؤلف » ، « يجعل » ، « يخرج » ، « ينزل » تكشف عن كونه كل يوم هو في شأن وأنّ أمر الخلق والإيجاد والتصرف بعد مستمر ولم يفرغ منه سبحانه كما تدعيه اليهود . وقد حكى سبحانه عقيدة اليهود بقوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ . . . « 1 » . فقول اليهود : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعكس عقيدتهم الكلية في حق اللّه سبحانه ، وأنّه مسلوب الإرادة تجاه كل ما كتب وقدّر وبالنتيجة عدم قدرته على الإنفاق زيادة على ما قدّر وقضى . فردّ اللّه سبحانه عليهم بإبطال تلك العقيدة أوّلا بقوله : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ . وثانيا بقوله : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ . ولأجل ذلك فسّر الإمام الصادق الآية المذكورة بقوله : « إنّ اليهود قالوا : قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص . فقال اللّه جل جلاله تكذيبا لقولهم : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 2 » . إلى هنا تبين أنّ القول بتغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة يوافق الكتاب والسنة . والقول بأنّ المقدر لا يتغير وأنّ اللّه فرغ من الأمر يوافق قول اليهود . والعجب أنّ بعض العقائد اليهودية تسربت إلى المجتمعات الإسلامية في بعض الفترات ، فهذا عبد اللّه بن طاهر دعى الحسين بن فضل وقال له : أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي . . . قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ وقد صح أنّ القلم قد جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة .
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 64 . ( 2 ) التوحيد ، باب معنى قوله عز وجل وَقالَتِ الْيَهُودُ ، الحديث الأول ، ص 167 .