الشيخ السبحاني
114
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
كالدليل على تلك الإحاطة العلمية ، فبما أنّه يسع وجوده كل مكان وجهة ، فهو عالم بكل ما يحويه المكان والجهة . ومثل هذا لا يمكن أن يكون جسما ، لأنّ كل جسم إذا حواه مكان خلا منه مكان آخر . 3 - قال تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » . لمّا أمر سبحانه بالتوجه إلى القبلة - وربما أوهم ذلك أنّ اللّه في مكان يستقر فيه - دفعه سبحانه بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي لا يخلو مكان عن ذاته ووجوده . فالمراد من الوجه هنا هو الذات ، قال ابن فارس : « وربما عبّر عن الذات بالوجه قال : أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل » « 2 » ولا ينحصر تفسير الوجه بالذات بهذه الآية بل هو كذلك في الآيتين التاليتين : 1 - قوله سبحانه : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ « 3 » . 2 - وقوله سبحانه : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 4 » . والدليل على أنّ الوجه في هاتين الآيتين بمعنى الذات ، لا العضو المخصوص ، واضح . أمّا الآية الأولى ، فلأنّه سبحانه بصدد بيان أنّ كل شيء يهلك ويفنى
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 115 . ( 2 ) المقاييس ، ج 6 ، ص 88 ، مادة « وجه » . وغيره من المعاجم . ( 3 ) سورة القصص : الآية 88 . ( 4 ) سورة الرحمن : الآية 27 .