الشيخ السبحاني

115

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

إلّا نفسه وذاته . وهذا لا يصحّ إلّا أن يكون المراد من الوجه هو الذات لا العضو المخصوص . وأمّا الآية الثانية ، فلأنّه وصف الوجه بقوله : ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ، بمعنى ذو الطّول والإنعام وما يقاربه . ومن المعلوم أنهما من صفات نفس الربّ لا من صفات الوجه ، أعني الجزء من الكل . ولو كان الوجه هنا ، بمعنى العضو المخصوص لوجب أن يقول : « ذي الجلال والإكرام » حتى يقع وصفا للربّ لا للوجه . ويشهد على ذلك قوله سبحانه : تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 1 » . فلما كان الاسم غير المسمى وصف الرب بقوله « ذي الجلال » ، ولم يصف الاسم به وإلّا لقال « ذو الجلال » . فإذا تبين أنّ الوجه في هذه الآيات بمعنى الذات ، أفهل يجتمع قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ مع كونه جسما محددا في جهة خاصة وموجودا فوق العرش ، متمكنا فيه أو جالسا عليه ، وما أشبه ذلك ممّا يوجد في كلمات المجسّمة ومن هو منهم ، وإن كان يتبرأ من وصفه بالتجسيم . 4 - يقول سبحانه وتعالى : فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ « 2 » . إنّ الآية بصدد نفي التشبيه على الإطلاق ، وليس من كلمة أجمع من قوله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . أوليس القول بكونه جسما ذا جهة ومحل ، موجودا فوق العرش متمكنا فيه أو جالسا عليه ، تشبيه للخالق بالمخلوق ؟ صدق اللّه العلي العظيم إذ قال : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 3 » . فما هذا الصمم والعمى في الأسماع والأبصار والقلوب ؟ ! ! .

--> ( 1 ) سورة الرحمن : الآية 78 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 11 . ( 3 ) سورة الأنعام : الآية 91 .