منير سلطان
80
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ما يلقانا في القصص القرآني ، فقصة كقصة موسى ذكرت في سورة الأعراف وفي طه وفي الشعراء ، وغيرها لوجوه من الحكمة ، منها التصرف في البلاغة من غير نقصان من أعلى مرتبة ، ومنها تمكين العبرة والعظة . وينتقل إلى التضمين ويريد به ( حصول معنى في الكلام من غير ذكر له ) وهو على وجهين - ما يدل عليه الكلام دلالة إخبار ، لأنه يحمله عليه في ظاهر لفظه كدلالة كلمة مكسور على كاسر ، والوجه الثاني ما يدل عليه الكلام دلالة قياس ، كدلالة البسملة على تعظيم اللّه سبحانه ، والاعتراف بنعمته وأنه ملجأ الخائف وحصن كل لائذ . ويتحدث عن المبالغة ، فيقول ( أنها الدلالة على كبر المعنى على جهة التغيير عن أصل اللغة لتلك الإبانة « ويذكر أنها على وجوه ، منها مبالغة عن طريق البنية كصيغ المبالغة في مثل غفّار ، ومنها مبالغة بالتعميم مثل قوله ( أتاني الناس ) والذي أتاك جماعة منهم ، ومنها مبالغة بالتعبير عن شئ يصاحبه تعظيما « وجاء ربك والملك صفّا صفّا » فجعل مجىء دلائل الآيات مجيئا له على المبالغة في الكلام ، ومنها إخراج الممكن إلى الممتنع ، ومبالغة إخراج التعبير مخرج الشك في مثل ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) ومنها مبالغة بحذف جواب الشرط مثل ( وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ) وواضح أنه لم يدرس المبالغة بمعناها العام وإنما درسها في صورها القرآنية . ويختتم الرماني كلامه في البلاغة بقسمها العاشر ، الذي سماه البيان ، وهو عنده « الإحضار لما يظهر به تميز الشيء من غيره في الإدراك » وكأنه يلتقى عنده بالدلالة ، ويقول أنه على أربعة أقسام ، كلام وحال وإشارة وعلامة « 1 » وقسّم الرماني الكلام إلى قبيح وحسن ، فالقبيح كالتخليط ، والمحال الذي لا يتضح به معنى ، والحسن هو الكلام المبين عن معان واضحة . والقرآن كله في نهاية وحسن البيان ، فمن ذلك قوله تعالى « كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ » ( الدخان - 26 ) فهذا بيان عجيب يوجب التحذير من الاغترار بالإمهال ،
--> ( 1 ) قد قسمه الجاحظ - بعد أن عرفه - إلى لفظ وإشارة وعقد وخط وحال - البيان والتبيين 1 / 76 وما بعدها .