منير سلطان
79
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وانتقل إلى التلاؤم ، ويريد به حسن النظم والرصف ، ونراه يقسّم الكلام إلى ثلاث طبقات : متنافر يستثقله اللسان وتمجه الآذان ، ومتلائم في الطبقة الوسطى وتدخل فيه بلاغة البلغاء ، ومتلائم في الطبقة العليا وهو أسلوب القرآن ، الذي تصغى له الآذان كما تصغى القلوب والأفئدة . وتحدث عن فواصل الذكر الحكيم ، فقال أنها « حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعنى ، وفرّق بين فواصل القرآن والأسجاع ، فقال « الفواصل بلاغة والأسجاع عيب ، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعانى تابعة لها » ومن أجل ذلك كان يتضح فيها الاستدعاء والتكلف بخلاف الفواصل فإنها في مكانها وكأنها تصير إلى قرارها ، وهي على وجهين ، وجه على الحروف المتجانسة مثل ( وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ) - ( الطور - 1 ) ووجه على الحروف المتقاربة مثل ( ق ، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ، بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ) ( ق - 1 و 2 ) . وترك الفواصل إلى التجانس ، فقال ( تجانس البلاغة ، هو بيان بأنواع الكلام الذي يجمعه أصل واحد في اللغة ) وجعله على نوعين : مزاوجة ومناسبة ، أما المزاوجة فمثل ( وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) ( آل عمران - 54 ) إذ استخدم المكر مع اللّه بدلا من الجزاء على سبيل المزاوجة للدلالة على أن وبال المكر راجع عليهم . وأما المناسبة ، فتدور في المعاني التي ترجع إلى أصل واحد مثل « انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ » ( التوبة - 127 ) فجونس بالانصراف عن الذكر ، صرف القلب عن الخير ، والأصل فيه واحد وهو الذهاب عن الشيء ، أما هم فذهبوا عن الذكر ، وأما قلوبهم فذهب عنها الخير . والتصريف عنده ، تصريف المعنى في الدلالات المختلفة ، كتصريف الألفاظ المشتركة في أصل واحد ، مثل التصريفات المستخرجة من كلمة ( ع ر ض ) إذ يأتي منها عرض بكسر العين ، وإعراض واعتراض واستعراض وتعريض ومعارضة وعروض ، وعلى هذه الشاكلة تصريف المعاني في الدلالات المختلفة ، على نحو