منير سلطان
78
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وبذلك صور الرماني الايجاز - في رأى الدكتور شوقى ضيف - تصويرا نهائيا بحيث لم يضف إليه البلاغيون التالون شيئا « 1 » . وانتقل إلى التشبيه ، فعرفه بأنه « العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حسّ أو عقل » وبذلك قسم التشبيه إلى حسى وعقلي ، وسمى الأول تشبيه حقيقة والآخر تشبيه بلاغة . وعرض بالتفصيل للتشبيه العقلي وطبقاته في الحسن ، وقال أنه يأتي على وجوه ، منها إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه ، كتشبيه أعمال الكفار بالسراب في الآية الكريمة « وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً » ( النور - 39 ) ومنها إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت بعادة كتشبيه ارتفاع الجبل بارتفاع الظلة في الآية الكريمة ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ( الأعراف - 171 ) ، ومنها إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة ، مثل ( وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ( الحديد - 21 ) ومنها إخراج ما لا قوة له في الصّفة إلى ما له قوة في الصفة مثل ( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ) ( الرحمن - 14 ) . وعلى هذا النحو يمتاز تشبيه البلاغة بأنه يقرن الأغمض بالأوضح فيتبين وينكشف . ومثلما بحث التشبيه بحثا دقيقا بحث أيضا الاستعارة « 2 » ، وهي عنده « تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة » ويقول : كل استعارة لا بدّ فيها من مستعار ، ومستعار له ومستعار منه ، ويقول أيضا : إن الاستعارة الحسنة هي التي توجب بلاغة بيان لا تنوب منابه الحقيقة ، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه الحقيقة ، كانت أولى ، ولم تجز الاستعارة ، وكل استعارة ، فلا بد لها من الحقيقة ، وهي أصل الدلالة على المعنى في اللغة ، كقول امرئ القيس في فرسه ( قيد الأوابد ) والحقيقة فيه ( مانع الأوابد ) و ( قيد الأوابد ) أبلغ وأحسن ، ويعرض أمثلة مختلفة مصوّرا فيها فضل الاستعارة على الحقيقة وأنها أبلغ في قوة البيان .
--> ( 1 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 104 . ( 2 ) الرماني - النكت في اعجاز القرآن - 79 - 87 .