منير سلطان
72
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
أما طعنهم بأن في القرآن تطويلا ، فقد بيّن أبو هاشم ، أن فصاحة الكلام إذا كانت تظهر بحسن معانيه واستقامتها والحاجة إليها ، فيجب أن يكون الكلام بحسبها ، فلا بد إذا اختلفت أحوال المعاني أن يختلف الكلام في التطويل والإيجاز ، لأنه ليس في قول اللّه لفظة تعم قوله تعالى « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ » فلا بد إذا كان الحال هذه ، وجوب بيان المحرمات من النساء ، أن يجرى تعالى الخطاب على هذا الحد ، فمن قال ، كان يجب أن تكون هذه الآية بمنزلة قوله ( ثم نظر « 1 » ) فقد ظلم ، وأبان عن جهله بطريقة اللغة . . . ، قال : ولذلك اختلفت الآيات في الطول والقصر لأن الذي جعله آية قد كان قصة تامة ، أو يحل هذا المحل ، وقد بين أهل هذا الشأن : أن التطويل إنما يعدّ عيبا في المواضع التي يمكن الإيجاز ، ويغنى عن التطويل فيها ، فأما إذا كان الإيجاز متعذرا أو ممكنا ولا يقع به المعنى ولا يسدّ مسدّ التطويل ، فالتطويل هو الأبلغ في الفصاحة « 2 » . وكان يرى في زوال الاختلاف عن القرآن لونا من ألوان إعجازه « 3 » فإن قال قائل . أليس « أقليدس » وصاحب كتاب « المجسطى » « 4 » و « صاحب العروض » و « سيبويه » وغيرهم قد اختصوا فيما ظهر عنهم من العلوم بما بانوا به من غيرهم ، ولم يدل ذلك على نبوتهم ولا صلح منهم التحدي لذلك . فهلا وجب مثله في القرآن ، وأن اختصّ بالمزية لأن مزيته ليس بأكثر من مزية ما ظهر من كتب ما ذكرناه : قيل له : أن ( أبا هاشم ) « 5 » أجاب عن ذلك ، بأن هذه المسألة توجب
--> ( 1 ) يقصد بقوله تعالى في سورة المدثر « إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ، ثُمَّ نَظَرَ ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ، فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ » [ المدثر ، 18 - 24 ] ف « ثم » هنا أفادت الترتيب مع التعقيب ، بينما الواو في قوله تعالى « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ . . . » لمطلق الجمع بلا ترتيب في درجة التحريم . ( 2 ) المصدر السابق - 401 . ( 3 ) المصدر السابق - 328 . ( 4 ) المجسطى : كتاب بطليموس - وقد قام بترجمته كثير من النقلة قالوا : وصحح المأمون كثيرا من حسابه وأقيسته لمحيط الأرض . والدرجة الأرضية . فكان أرصاد علمائه أول أرصاد في الاسلام ، انظر فيه كتاب - أوليرى - مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب - ص 47 و 237 ترجمة د . تمام حسان - ط الأنجلو . ( 5 ) يقصد الخليل بن أحمد .