منير سلطان

73

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

أن هذه الأمور معجزة ، لا أنها تقدح في إعجاز القرآن ، لأنا قد بينا وجه كونه دلالة ومعجزة . فإن كان الذي أوردوه بمنزلته فيجب أن يكون معجزا ، وهذه الطريقة واجبة في كل دلالة وعلة ، أن وجودهما يقتضى نطق الحكم بهما ، لا أنه يقدح فيما دل على أنهما علة أو دلالة ، وإنما يعترض على الكلام بالأمور التي تجرى مجرى الضرورة فيكون كاشفا عن خروج الدلالة من أن تكون دلالة « 1 » . إذن فالقرآن معجز ، والعرب يعلمون ذلك ، فما الشأن في العجم ، وكيف يعرفون مزية القرآن ؟ ويرى أبو هاشم « أنهم يعرفون المتقدم في الفقه ، إذا علموا تسليم الفقهاء له ، إلى ذلك ، وإن لم يعرفوا الفقه على التفصيل ، إذا عرفوه على الجملة ، وفصلوا بينه وبين سائر العلوم » « 2 » . أما عن الجانب البلاغي عند أبي هاشم فقد رأى أن إعجاز القرآن يرجع لمزيته في الفصاحة ، ويشرح حد الفصاحة قائلا « إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه وحسن معناه ، ولا بدّ من اعتبار الأمرين لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحا ، فإذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين ، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص ، لأن الخطيب عندهم ، قد يكون أفصح من الشاعر والنظم مختلف ، إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة ، وقد يكون النظم واحدا وتقع المزية في الفصاحة ، فالمعتبر ما ذكرناه - لأنه الذي يتبين في كل نظم وكل طريقة ، وانما يختص النظم بأن يقع لبعض الفصحاء يسبق إليه ، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء فيساويه في ذلك النظم ، ومن يفضل عليه بفضله في ذلك النظم » « 3 » . وكلام أبى هاشم هنا صريح في أن النظم لا يصلح أن يكون مفسرا لفصاحة الكلام ، لأن النظم قد يكون واحدا ويفضل أديب صاحبه فيه ، وكأنه يرد بذلك على الجاحظ وأمثاله الذين يرجعون إعجاز القرآن إلى نظمه وطريقته ، ويقول أنه لا يوجد في الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما ، وإذن فلا بد أن تكون

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 303 و 304 . ( 2 ) المصدر السابق - 296 . ( 3 ) المصدر السابق - 197 .