منير سلطان
36
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ويرجع انتصار الأشعري على المعتزلة في رأى أحمد أمين إلى : 1 - أن الناس كانوا قد ملّوا كثرة المناظرات والمحاكات والمحن التي شهدوها أو سمعوا بها في محنة خلق القرآن ، فكرهوا هذه الطائفة التي سببت لهم كل هذه المشاكل وأخذ كثير منهم بأزر من يجابههم . 2 - أن أبا الحسن على ما يظهر من ترجمته كان جدلا قوى الحجة ، فلفت الأنظار إليه ، وكان أيضا معروفا بالصلاح والتقوى وحسن المنظر ، مما جذب نفوس الناس إليه ووجدوا فيه الشخص الذي يلقون حملهم عليه إذا عدلوا عن الاعتزال . 3 - أن السلطات الحكومية من عهد المتوكل قد تخلت عن نصرة المعتزلة وأغلب الناس يمالئون الحكومة أينما كانت ، ويخافون أن يعتنقوا مذهبا لا ترضاه ، فهربوا من الاعتزال إلى من يهاجم الاعتزال . 4 - رزق أبو الحسن الأشعري بأتباع أقوياء أخذوا مذهبه ودعوا إليه ودعموه بالأدلة والبراهين أمثال أمام الحرمين ، والأسفراييني ، والباقلاني ، فكان كلّ عالم من هؤلاء العلماء لمنزلته العظيمة يرغّب الناس في الدخول في مذهب الأشعري ويبعدهم عن الاعتزال .
--> - الفرق الاسلامية 223 ط صبيح - القاهرة 1958 . الطبعة الثانية - بينما يقول الدكتور حمودة غرابة « من المحتمل جدا أن تكون الرؤيا هي السبب المباشر لهذا التحول ، ولكني أعتقد أنها كانت صدى لما أحسه أبو الحسن في نفسه من مشاكل نفسية وروحية ، فإن مذهب المعتزلة وبالأخص على الصورة التي كان يحكيها أستاذه الجبائي كانت تحمل في طياتها كثيرا من المشاكل التي لا توجد لها حلا مرضيا ( الدكتور حمودة غرابة - الأشعري ص 65 - الطبعة الأولى - القاهرة ) ويعطى عبده الشمالي أعماقا أخرى لهذه الفكرة قائلا : إن ارتداد الأشعري نشأ عن عوامل كثيرة تراكمت في ذهنه وسنحت لها فرصة الظهور أثر هذا الخلاف ، لأن الرجل كان يدافع عن المعتزلة ويفحم خصومها ، ويشعر أعماقه أن ردوده لا تفحم المدققين فيقنع سواه ولا يقتنع . ولما عجز الجبائي عن إقناعه ، شعر أن العقل أضعف من أن يوصل إلى الحقيقة . وأن الحقائق الإلهية تخضع للإيمان وتنفر من العقل الذي كان المعتزلة يعدّونه قادرا على حل كل مشاكل الدين ، وكان المتوكل قد أعلن الحرب على المعتزلة فتشجع الأشعري وأعلن ما تكشف له من مذهب المعتزلة من نقض لروح الإسلام ومخالفة لتعاليمه فناهضه بكل ما أوتى من قوة وأصلى رجاله حربا شديدة ، فانتصر عليهم لأنه عرف ضعفهم . ( عبده الشمالي - تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية - 138 الطبعة الرابعة 1965 م دار صادر ) .