منير سلطان

34

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

في تقدير العقل « لأن به يميّز بين الحسن والقبيح ، ولأن به يعرف أن الكتاب حجّة وكذلك السنة والإجماع » « 1 » وللعقل نزوات . وقد قاموا بمجادلة الزّنادقة والثّنوية وغيرهم فتأثروا بآراء مخالفيهم وأفكارهم « 2 » وقد خاصم المعتزلة كثيرين من رجال كانت لهم منزلة كبيرة في الأمة ولم ينزّهوا كلامهم في خصومهم « 3 » وحين جاء عصر المأمون أوذى كثير من الفقهاء والمحدثين ، فاستدرت محنتهم عطف الناس عليهم والسّخط على من كان سببا في البلية « 4 » . ولم يكن الخلفاء متحمسين دوما لقضية خلق القرآن - كما يبدو - فقد حكى عن المأمون أنه كان مترددا قبل أن يفرض على الناس هذه العقيدة « 5 » ويظهر أن المعتصم على غلوّه في الاعتزال ، وإسرافه في المحنة ، كانت تعتريه فترات يفتر فيها ، ذكروا أنه قال لابن حنبل حين جئ به ليمتحن « لولا أنى وجدتك في يدي من كان قبلي ما عرضت لك » « 6 » وحين ضرب حتى غشى عليه - وابن حنبل مصمم على موقفه - ندم المعتصم على ضربه وأطلقه « 7 » وأما الواثق فقد سعى إليه ثمامة بن أشرس بأحدهم ، وقال أنه يكفر من ينكر الرؤية السعيدة ويقول بخلق القرآن ، فقتله ثم ندم على قتله ، وعاتب ثمامة وابن أبي دؤاد على ذلك ولم يهدأ حتى أقسما أن قتله كان على حق « 8 » . هذا . وقد انشق عليهم رجال منهم لهم شأنهم كأبى عيسى الوراق « 9 » وابن الراوندي الذي جنح إلى الرافضة ، وألف لهم كتاب ( الإمامة ) وتقرّب إليهم بالطعن في المعتزلة « 10 » .

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - متشابه القرآن 1 / 41 . الهامش . نقلا عن مخطوط فضل الاعتزال للقاضي عبد الجبار ورقة 2 . تحقيق الدكتور محمد عدنان زرزور - الطبعة الأولى القاهرة 1969 م - دار التراث . ( 2 ) الدكتور نيبرج - مقدمة الانتصار - ص 59 وانظر محمد أبو زهرة - أبو حنيفة - 150 . ( 3 ) انظر ابن قتيبة - فيما حكاه عن النّظّام حين نقد الخلفاء أبا بكر وعمر وعليا وجماعة من الصحابة . تأويل مشكل الحديث 24 إلى 28 والطبعة الأولى ط كردستان القاهرة 1326 ه . ( 4 ) ابن الأثير - الكامل - 7 / 8 والطبري - تاريخ الأمم - 11 / 15 إلى 17 . ( 5 ) ابن قيم جودبة - المناقب - 309 . ( 6 ) نفس المصدر - 321 . ( 7 ) ابن العماد الحنبلي - شذرات الذهب - 2 / 45 . ( 8 ) البغدادي - الفرق بين الفرق - 159 . ( 9 ) الخياط - الانتصار - 152 . ( 10 ) نفس المصدر - 101 .