منير سلطان

239

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

حديثه عن الترداد والتكرار في القصص القرآني ، يقول « وقد رأينا اللّه عز وجل ردد ذكر قصة موسى وهود وهارون وشعيب وإبراهيم ولوط وعاد وثمود ، وكذلك ذكر الجنة النار وأمور كثيرة ، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وجميع أصناف العجم ، وأكثرهم عىّ غافل ، ومعاند مشغول الفكر ساهى القلب » « 1 » . ويكرر مع بشر فكرة مطابقة الكلام لمعانيه وللأحوال المختلفة وطبقات المستمعين حتى لا ينفد الكلام إلى السمع إلا وتنفد معه المعاني إلى القلب يقول « وأحسن الكلام ما كان قليه يغنيك عن كثيره ، ومعناه في ظاهر لفظه . . وإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا وكان صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه ومنزها عن الاختلال ، مصونا عن التكلف ، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة » « 2 » . ويعرف الرماني البلاغة بأنها ايصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ « 3 » ويرجع القاضي عبد الجبار تفاضل ناظم عن ناظم في اختيار الألفاظ ، والتأثير على المستمع إلى ما يسميه ب « قوة المحاضرة » « 4 » . وقد شارك الأشاعرة المعتزلة في هذا المضمار ، فنجد الباقلاني يعتبر الوجه العاشر من وجوه القرآن ، أثره في النفوس ، يقول « ومعنى عاشر وهو : أنه سهّل سبيله ، فهو خارج عن الوحشي المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصنعة المتكلفة ، وجعله قريبا إلى الافهام ، يبادر معناه لفظه إلى القلب ، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس ، وهو مع ذلك ممتنع المطلب ، عسير المتناول ، غير مطمع مع قربه في نفسه ولا موهم مع دنوه في موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به » « 5 » . أما الجرجاني ، فغنيّ عن البيان ما وجهه من عناية لهذا الجانب ، فهو في ( الأسرار ) يثور على تعقيد المعقدين في كتبهم الذين ينسون أنهم يتكلمون ليفهموا ، ويقولون ليبينوا ، ويريدون البلاغة فيتكلفونها ، فيصيرون « كمن ثقّل

--> ( 1 ) نفس المصدر - 1 / 105 . ( 2 ) نفس المصدر - 1 / 83 . ( 3 ) الرماني - النكت في إعجاز القرآن - 69 . ( 4 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 208 و 209 . ( 5 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 46 .