منير سلطان

226

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ومهما يكن من شئ فإن قضية خلق القرآن ، وما نتج عنها من مشكلات ونتاج في الفكر الإسلامي والأدب العربي ، قد جنح لها فلسفيا أبو منصور الماتريدي حينما عالج القضية من وحى أفكار المدرستين معتزلة وأشعرية ، ففرق بين نوعين من الكلام « أحدهما نفسي ، وهو المعنى القديم القائم بذاته تعالى ، وهو ليس من جنس كلام البشر ، أي ليس من جنس الحروف والأصوات ومن ثم فهو صفة ذاتية له ، واللّه متّصف بالكلام منذ الأزل على هذا الاعتبار ، أما النوع الآخر فهو المؤلف من حروف وأصوات ، وهذا لا شك في أنه حادث ومخلوق » ثم فسر لما ذا نفى المعتزلة صفة الكلام مع أنها قديمة ، فقال : وأنّهم خرجوا على مبدئهم المشهور ، فقاسوا عالم الغيب على عالم الشهادة ، ولو التزموا هذا المبدأ لعلموا أن « من أحبّ تقدير كلام اللّه بكلام المخلوق فهو مغفّل » على حد تعبيره ، فالكلام النفسي صفة قديمة لا يعلم حقيقتها ، ولا كيف يتصف اللّه بها . ونحن لا نستطيع سماع كلامه أو قراءته إلا بواسطة ، فموسى لم يسمع كلام اللّه الأزلي حقيقة ، وإنما سمع صوتا يدل عليه » « 1 » ويقول الماتريدي « إن المعتزلة نظروا إلى ناحية اللفظ ، واعتبر الأشعرية ناحية المعنى ، ولم يكن هناك ما يوجب هذا الخلاف كله لأن المشكلة أقرب أن تكون لفظية من أن تكون حقيقية وجوهرية « 2 » . وكان هذا الحل هو الذي ارتضاه أهل السنة الذين يفرقون بين صفة الكلام النفسي القديم ولفظ القرآن المخلوق هو الحل الذي يسلّم به متأخرو الأشعرية كإمام الحرمين ، وقد انتهت مشكلة خلق القرآن بكل شرورها ، وما اكتنفها من سوء فهم ، عندما سلّم الغزالي بهذا الرأي « 3 » . ثالثا : منزلة العقل عند المعتزلة والأشاعرة : أن للعقل عند المعتزلة مكانة سامية ، يقول الزمخشري « امش في دينك تحت

--> ( 1 ) الماتريدي - شرح الفقه الأكبر - 70 ط حيدرآباد . ( 2 ) نفس المصدر - 71 . ( 3 ) الدكتور محمود قاسم - مقدمة في نقد مدارس الكلام 69 . على تحقيق كتاب مناهج الأدلة لابن رشد .