منير سلطان

227

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

راية السلطان ، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان ، فما الأسد المحتجب في عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه ، وما العنز الجرباء تحت الشّمال « 1 » البليل ، أذل من المقلد عند صاحب الدليل » « 2 » . وأما القضايا التي شغلتهم دفاعا عن الدين الحنيف أمام المشبهة والملحدين وأصحاب الأهواء ، نادوا بمبادئهم الخمسة المعروفة ، وأثبتوا أن القرآن لا تناقض فيه ولا اختلاف وذلك عن طريق العقل ، الذي أباح لهم بتمكنهم في اللغة أن يفتحوا بابا واسعا من المجاز اللغوي يتسع لكل ما نادوا به من نظريات وما دافعوا عنه من قضايا . ولم يرتض الأشاعرة هذا المنهج وهاجموه . يقول القاضي عبد الجبار « وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة ، ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة ، فلا بد من أن يعرض ما في كتاب اللّه من الآيات الواردة في العدل والتوحيد ، على ما تقدم له من العلم ، فما وافقه حمله على ظاهره ، وما خالف الظاهر حمله على المجاز ، وإلا كان الفرع ناقضا للأصل ، ولا يمكن في كون كلامه تعالى دلالة سوى هذه الطريقة ، فإذا ثبت ما قدمناه ، لم يمكنكم ادعاء الاختلاف والمناقضة فيه ، لأن محكمه ومتشابهه سواء في أنهما لا يدلان ، وفي أن الواجب على المكلّف عرضها على دليل العقول » « 3 » . وقد سبقه الجاحظ إلى تقرير هذه الحقيقة « 4 » . إذن اهتم المعتزلة بالعقل أيما اهتمام ، ولكن ليس معنى هذا أنه يطغى على السمع فالقرآن هو المقدم على العقل ، وهو الأصل - لا كما يتبادر إلى ذهن بعض الباحثين . وقد أوضح القاضي عبد الجبار ذلك في كتابه ( فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ) فقد رتب في الفصل الأول منه الأدلة وأوضح رأيه في أن دلالة العقل لا يطعن في جعل الكتاب هو الأصل فقال في بيان هذه الأدلة ( أولها دلالة العقل ، لأن به يميز بين الحسن والقبيح ، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة ،

--> ( 1 ) الشمأل : ريح الشمال . ( 2 ) الزمخشري - أطواق الذهب في المواعظ والخطب - 46 . ( 3 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 395 . ( 4 ) الجاحظ - الحيوان - 1 / 70 الساسى 1907 .