منير سلطان

219

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وإذا تركنا الجاحظ إلى الرماني ( ت 386 ) ، فسنجد أنه يرى ، أن البلاغة لا النظم سر من أسرار إعجاز القرآن . وقد كانت هناك جهود بذلت في الميدان بعد الجاحظ مباشرة حتى وصلت إلى الرماني ، وجدت مباحث ابن قتيبة ( ت 276 ) والمبرد ( ت 285 ) وثعلب ( ت 291 ) وابن المعتز ( 294 ) وقدامة بن جعفر ( 337 ) وهم ليسوا معتزلة ولكنهم اشتركوا في القول . فتمهد الطريق للرمانى ليمسك بأعنّته ، ويضع الصياغات النهائية لبعض فنون البلاغة ، ويؤنس طريق البلاغيين من بعده فيسيرون على الهدى « 1 » . قلنا أن الرماني قد رفض فكرة النظم وعرض فكرة البلاغة سرا من أسرار الإعجاز يقول في رسالته ( النكت ) فأما البلاغة فعلى ثلاث طبقات ، منها ما هو أعلى طبقة وما هو أدنى طبقة ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة ، فما كان في أعلاها فهو معجز وهو بلاغة القرآن ، وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس ، وليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيى ، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى ، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى ، وهو غث مستكره ونافر متكلف ، وإنما البلاغة ، إيصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ « 2 » فأعلاها طبقة في الحسن بلاغة القرآن وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة ، وأعلى طبقات البلاغة معجز للعرب ، كإعجاز الشعر المفهم للعرب خاصة كما أن ذلك معجز للكافة « 3 » . ثم هو يفصل هذا التعريف ، فيتناول الأمر من جهتيه . أولهما : الأثر النفسي

--> ( 1 ) انظر في مدى استفادة البلاغيين من الرماني - ابن رشيق العمدة 1 / 195 وغيرها - ابن سنان الخفاجي - سر الفصاحة 199 وغيرها . وأبا الهلال العسكري - الصناعتين 169 وغيرها والفخر الرازي - نهاية الايجاز - 81 و 82 وابن أبي الأصبع - بديع القرآن - 17 و 18 و 23 وابن حمزة العلوي - الطراز - 1 / 199 و 200 - وابن الأثير المثل السائر - 271 وما بعدها . ( 2 ) يقول الدكتور محمد زغلول سلام تعليقا على هذا التعبير : أنّه طريف تلمس فيه روحا جديدة في فهم منزلة البلاغة ودورها في التعبير - انظر أثر القرآن في تطور النقد الأدبي 69 و 70 . ( 3 ) الرماني - النكت - 69 و 70 .