منير سلطان

193

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ويميز عبد القاهر بين صور الخبر ملاحظا أنه إذا كان اسما دل على الثبوت وإذا كان فعلا دل على التجدد « 1 » . وترى الزمخشري في آية البقرة ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) [ البقرة - 15 ] يقول لم يقل اللّه مستهزئ بهم ليكون مطابقا لقوله ( إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ) لأن يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت « 2 » . ويسهب عبد القاهر في بيان الفروق بين صور الخبر المنكّر والمعرّف وتحوله إلى مسند إليه على نحو ما تصور ذلك الجمل الآتية ( زيد منطلق ) و ( زيد المنطلق ) و ( المنطلق زيد ) وقد ذهب إلى أن العبارة الأولى تقال لخالي الذهن عن أي انطلاق ، بينما الثانية تقال لمن عرف أن انطلاقا حدث من إنسان ولم يعرف اتصاف زيد بذلك ، فأنت تعرّفه به على وجه الاختصاص ، واللام في « المنطلق » للعهد ، وقال عبد القاهر : قد يؤكدون هذا التخصيص بضمير الفصل ، فيقولون ( زيد هو المنطلق ) ، وهو قصر قد يكون تحقيقا ، وقد يكون على وجه المبالغة مثل ( زيد هو الجواد ) أي الكامل في الجود ، وواضح أن ( أل ) في كلمة ( المنطلق ) في هذا التعبير الثاني للجنس ، وقد يراد بها أفراده ، وقد يراد بها حقيقة الجنس ، كمن يقول ( زيد هو البطل ) ، يقصد أنه هو وحده الذي يمثل البطولة ، وقد يخصّص الجنس كقولك ( هو الصديق حين لا يوجد صديق ) ويقرن عبد القاهر بين القصر الملاحظ فيه حقيقة الجنس وبين اسم الموصول إذا وقع خبرا في مثل ( أخوك الذي يؤازرك في الملمات ) ويقول : إن ( المنطلق زيد ) أقوى في القصر من ( زيد المنطلق ) ، لأن كلمة ( المنطلق ) حين تقدّم تصبح اللام فيها لاستغراق الجنس ، وبذلك يكون القصر أشد وأوثق ، ويعرض للمسند إليه إذا كان اسم موصول ، ويقول : إنه يستخدم حين لا يكون معروفا من أحواله سوى الصلة « 3 » . وكل هذه القواعد نجدها مبسوطة في تفسير الزمخشري لآية البقرة ( وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * [ البقرة - 5 ] يقول : « هم » فصل ، وفائدته الدلالة على أن

--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 117 إلى 132 . ( 2 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 144 ط 2 بولاق . ( 3 ) الجرجاني - الدلائل - 117 وما بعدها .