منير سلطان
192
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ويتكلم عبد القاهر في حذف المسند اليه ، ويقول : أنه يحذف عند تعيينه وقيام القرينة ، وحينئذ يكون حذفه أبلغ من ذكره ، ويطنب في الحديث عن حذف المفعول به وأنه قد يحذف إذا أراد المتكلم أصل الفعل بدون أي تخصيص له ممن وقع عليه ، ويقول « المتكلم قد يريد المفعول ، ولكنه لا يذكره لدلالة الحال عليه ، وقد يكون غرضه حينئذ من حذفه البيان بعد الإبهام نحو ما يلاحظ في فعل المشيئة مثل ( لو شئت لأتيت ) أصله لو شئت الاتيان لأتيت ، ويستثنى من هذا الفعل وعبارته أن يكون متعلقة خاصا مثل ( لو شئت أبكى دما لبكيت فإن المفعول حينئذ لا يصح حذفه ، لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه ، ويقول ، أنّ المفعول قد يحذف لدفع توهم السامع أو للاختصار « 1 » . وترى الزمخشري يصدر عن هذه الآراء في تعليقه على آية القصص ( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمّة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرّعاء وأبونا شيخ كبير ) يقول : فإن قلت : لم ترك المفعول غير مذكور في قوله ( يسقون ) - و ( تذودان ) - و ( لا نسقى ) قلت : لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الزياد ، وهم على السقي ولم يرحمهما لأن مزودهما غنم ومستقيهم أبل مثلا . وكذلك قولهما ( لا نسقى حتى يصدر الرعاء ) المقصود فيه السقي لا المسقى « 2 » . وفي آية البقرة ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ) [ البقرة - 20 ] يقول الزمخشري : « مفعول « شاء » محذوف لأن الجواب يدل عليه ، والمعنى ولو شاء اللّه أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها ، ولقد تكاثر هذا الحذف في شاء وأراد ، لا يكادون يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قولك ، فلو شئت أن أبكى دما لبكيت ، وقوله تعالى ( لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا ) [ الأنبياء - 17 ] و ( لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ) « 3 » ( الزمر - 4 ) .
--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 113 . ( 2 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 376 ط 2 بولاق . ( 3 ) نفس المصدر - 1 / 170 ط 2 بولاق .