منير سلطان
191
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
فكان أولى بالتقديم ونحو « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ » [ الزمر - 64 ] و « آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ » « 1 » [ يونس - 59 ] . وقد مضى عبد القاهر يذكر أن المسند إليه إذا ولى النفي في مثل : ما أنا فعلت ذلك ، أفاد تخصيصه بنفي الخبر الفعلي ، وبذلك يكون فعل قد فعل ، ونفى البتة عن المتكلم « 2 » . وعلى ضوء هذه القاعدة قال الزمخشري في التعليق على آية التنزيل الواردة على لسان قوم شعيب ( وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ ) [ هود - 91 ] : قد دل إيلاء ضميره حرف النفي ، على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل ، كأنه قيل : وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعز علينا ، ولذلك قال في جوابهم ( أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ ) [ هود - 92 ] ولو قيل ما عززت علينا لم يصح هذا الجواب « 3 » . ومضى عبد القاهر يذكر أنه إذا لم يكن في العبارة نفى ولا استفهام وتقدم المسند إليه وكان معرفة مثل ( أنا فعلت ) فان التقديم حينئذ أما يفيد تخصيص المسند إليه بالمسند ، وأما يفيد تقوية الحكم وتأكيده في ذهن السامع « 4 » . ونرى الزمخشري يقف بإزاء بعض الآيات التي قدم فيها المسند الأول على أن الغرض من التقديم هو التخصيص ، يقول في تفسير الآية ( اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) * [ الرعد - 26 ] أي اللّه وحده يبسط الرزق ويقدره دون غيره « 5 » ويقول في تفسيره الآية ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً ، مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) [ الزمر - 23 ] إيقاع اسم اللّه مبتدأ ، وبناء نزّل عليه فيه تفخيم لأحسن الحديث ، ورفع منه واستشهاد على حسنه وتأكيد لاستناده إلى اللّه وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه وتنبيه على أنه وحى معجز مباين لسائر الأحاديث « 6 » .
--> ( 1 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 445 ط 2 بولاق 1381 ه . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - 91 . ( 3 ) الزمخشري - الكشاف 2 / 91 ط 2 بولاق . ( 4 ) الجرجاني - الدلائل - 91 . ( 5 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 134 ط 2 بولاق . ( 6 ) نفس المصدر - 2 / 225 .