منير سلطان

183

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

التمثيل والتخييل : أسلوب آخر من أساليب القرآن يعالجه الزمخشري في مبحثه ، أسلوب التمثيل والتخييل ، يقول شارحا دور المثل في التعبير الأدبي . . . ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر ، شأن ليس بالخفى في إبراز خبيئات المعاني ، ورفع الأستار عن الحقائق ، حتى تريك المتخيّل في صورة المحقّق ، والمتوهّم في معرض المتيقن ، والغائب كأنه شاهد ، ولأمر ما أكثر اللّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله ، وفشت في كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء قال تعالى ( وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ) [ الحشر - 21 ] ومن سور الإنجيل سورة الأمثال « 1 » . ويقول في أسلوب الآية ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ، وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ، إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) [ الأحزاب - 72 ] . . . ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب ، وما جاء القرآن إلّا على طرقهم وأساليبهم . . وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها ، فإن قلت : قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأى واحد : أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى ، لأنك مثّلت حاله في تمثله وترجّحه بين الرأيين ، وتركه المضي على أحدهما ، بحال من يتردد في ذهابه ، فلا يجمع رجليه للمضى في وجهة ، وكل واحد من الممثّل به شئ مستقيم ، داخل تحت الصحة والمعرفة ، وليس كذلك ما في هذه الآية ، فإن عرض الأمانة على الجماد وإبائه واشفاقه محال في نفسه غير مستقيم ، فكيف صح بناء التمثيل على المحال به ؟ وما مثال هذا إلا أن تشبه شيئا والمشبه به غير معقول ؟ قلت : الممثّل به في الآية ، وفي قولهم : قيل للشحم أين تذهب لقال ، أسوّى العوج ، وفي نظائره ، مفروض ، والمفروضات تتخيّل في الذهن كما المحققات ، مثّلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله ، بحاله المفروضة لو عرضت على السماوات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها « 2 » .

--> ( 1 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 31 . ( 2 ) نفس المصدر - 2 / 223 و 224 .