منير سلطان

171

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

( وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ) [ الأنبياء - 81 ] قائلا : فإن قلت : وصفت هذه الرياح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى فما التوفيق بينهما ؟ قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم ، فإذا مرّت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال غدوها شهر ورواحها شهر فكان جمعها بين الأمرين أن تكون رخاء في نفسها ، وعاصفة في عملها ، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم ، آية إلى آية ومعجزة إلى معجزة « 1 » . وهو يحاول أن يوفق بين القرآن والحديث النبوي الصحيح ، فالحديث مفسّر للقرآن ومبيّن له ، ويقول عند الآية ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ، بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) [ النساء - 49 ] فان قلت : أما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « والله أنّى لأمين في السماء أمين في الأرض » ؟ قلت : إنما قال ذلك حين قال له المنافقون أعدل في القسمة ، إكذابا لهم إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه ، وشتّان من شهد اللّه له بالتزكية ، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم « 2 » وفي الآية ( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) [ الفتح - 29 ] فإن قلت : فقد جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( لا تقلبوا صوركم ) وعن ابن عمر رضى اللّه عنه أنه رأى رجلا قد أثر في وجهه السجود ، فقال له أن صورة وجهك أنفك ، فلا تقلب وجهك ، ولا تشن صورتك ؟ قلت : ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة وذلك رياء ونفاق يستعاذ باللّه منه ، ونحن فيما حدث في جبهة السّجّاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه اللّه تعالى « 3 » إلى غير ذلك « 4 » . لقد حكّم الزمخشري خمسة الأصول في التفسير القرآني ، مؤمنا بها مبادئا للفئة الناجية العدلية ، الجامعين بين علم العربية والأصول الدينية « 5 » إذ جعل الآية المناصرة ظواهرها للمذهب الاعتزالى محكمة ، وتلك التي تخالفه متشابهة ، ثم رد

--> ( 1 ) الزمخشري - الكشاف - 2 / 51 . ( 2 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 210 . ( 3 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 210 . ( 4 ) نفس المصدر - 1 / 268 . ( 5 ) نفس المصدر - 1 / 3 .