منير سلطان

162

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

الوجوه دون ما عداها ، فان قال ( أي المعارض ) فقد قلتم إن في جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى فهلا اعتبرتموه ؟ قيل له : إن المعاني وإن كان لا بدّ منها فلا تظهر فيها المزية . . . ولذلك نجد المعبّرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق . . . على أنّا نعلم : أن المعاني لا يقع فيها تزايد ، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر ، التزايد عند الألفاظ التي يعبّر بها عنها ، على ما ذكرناه فإذا صحت هذه الجملة فالذي به يظهر المزية ليس إلا الإبدال ( الاختيار ) الذي به تختص الكلمات ، أو التقدم والتأخر الذي يختص الموقع ، أو الحركات التي تختص الإعراب ، فبذلك تقع المباينة ( أي بين الكلام ) « 1 » . ويعقب الدكتور شوقى ضيف على هذه الفقرة في كتابه قائلا « وبذلك يقترب عبد الجبار اقترابا شديدا من عبد القاهر في تفسيره للنّظم في كتابه ( دلائل الإعجاز ) ، وحقا إن عبد القاهر حاول تفسيره ، ولكن حين تحلّل هذه المعاني تجدها تنحل إلى نفس الكلام الذي حاول به عبد الجبار تصوير الوجوه الذي يقع بها التفاضل في فصاحة الكلام « 2 » . وهذا ابن حزم الأندلسي الظاهري ( ت 456 ) - قد حدثنا في كتابه عن معاني الحروف ويعرضه بالتفصيل لتحديد دلالات ( واو العطف ) و ( الفاء ) و ( ثم ) و ( أو ) و ( من ) وإلى والياء . . . الخ مبينا لنا حكم كل حرف من هذه الحروف وموضعه من الخبر حسب مرتبة الكلام « 3 » . وليس الأمر مقصورا على مساهمة القدماء في نظرية النظم قبل الجرجاني بقرون ، فها هم المحدثون يعارضونه في استخفافه باللفظ : فاللفظ له شأن أيضا في الجملة ، كما يقول الدكتور إبراهيم سلامة : إن هناك ألفاظا تحمل في جرسها المعنى الذي أسمعه الجرس والوقع نفسه ، وما أسماء الأصوات ودلالتها اللفظية على معناها إلا من هذا القبيل ، وهناك علم برمّته من « بين علوم الملّة » على حد تعبير ابن خلدون ، تقتصر مباحثه على مخارج

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 199 و 200 . ( 2 ) الدكتور شوقى ضيف - البلاغة تطور وتاريخ - 117 . ( 3 ) ابن حزم الأندلسي - الإحكام في أصول الأحكام - 1 / 51 إلى 52 تحقيق الشيخ أحمد شاكر .