منير سلطان

161

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

نظرية النظم في بيئة المتكلمين : مرّ بنا الجاحظ ونظريته في الإعجاز وقد أحسّ في عمق أن المعاني وحدها لا تكوّن الكلام البليغ فالمترجمون مثلا ينقلون معاني دقيقة لفلاسفة اليونان ، وغيرهم ، ومع ذلك لا يمكن أن يتصف كلامهم ولا ما نقلوه بالبلاغة ، فكلامهم يحمل معاني صحيحة ولكن ينقصها فن البلاغة ، من حسن السبك وجمال الرصف والنظم ، وأداه إحساسه بروعة النظم وما يكسبه الكلام من الماء والرونق والحيوية أن يقرر أن إعجاز القرآن في نظمه ، ويشير في كتابه الحيوان إلى ذلك قائلا . « وفي كتابنا المنزّل الذي يدلنا على أنه صدق ، نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد « 1 » كما أن له كتاب ( آي القرآن ) الذي يقول عنه « ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها فضل ما بين الإيجاز والحذف ، وبين الزوائد والفضول والاستعارات ، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة « 2 » كما أن له كتاب ( نظم القرآن « 3 » ) وكان يرى رأى العتابي : أن المعاني تحل من الألفاظ محل الروح من البدن « 4 » . والأمثلة عديدة لا تحتاج إلى إشارة : وهذا القاضي عبد الجبار - المتكلم المعتزلي - إن بينه وبين ما كتبه الجرجاني صلة وثيقة يقول القاضي عبد الجبار في فصل « في الوجه الذي له يقع التفاضل في فصاحة الكلام » ( اعلم أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام ، وإنما تظهر في الكلام بالضم ، على طريقة مخصوصة ، ولا بدّ مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة ، وقد يجوز في هذه الصفة أن يكون بالمواضعة التي تتناول الضم ، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه ، وقد تكون بالموقع ، وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع ، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها أو موقعها ، ولا بدّ من هذا الاعتبار في كل كلمة ، ثم لا بدّ من اعتبار مثله في الكلمات ، إذا انضم بعضها إلى بعض ، لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة . وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها ، فعلى هذا الوضع الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه

--> ( 1 ) الجاحظ - الحيوان - 4 / 90 . ( 2 ) نفس المصدر - 3 / 86 . ( 3 ) ابن النديم - الفهرست - 63 ط التجارية . ( 4 ) الجاحظ - من مجموعة رسائل الجاحظ - ( رسالة في الجد والهزل ) 1 / 262 تحقيق هارون .