منير سلطان
156
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
وذكر « باب ما يحذف فيه الفعل لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل » « 1 » وأقر الاضمار على شريطه التفسير « 2 » . يقول الدكتور ناصف « فالظاهر أن سيبويه أدرك النظم الذي هو قوام النحو ، وقد شرح أحيانا مواضع استعمال صور الوجه الذي يستعين عليه التعبير ليبلغ هدفه ، انظر إلى قوله مثلا « تقول العرب حمدا للّه ، وثناء عليه ، وحمد للّه وثناء عليه ، الأول تقوله وقد وقع ما يوجب الحمد ، والثاني للإبانة عن حالك الذي أنت عليها » فأنت ترى أسلوبين يفترقان في مواضع الاستعمال ولا يختلفان في التركيب ولا في صورة النطق إلا من ناحية النصب والرفع ، ويستطرد الدكتور ناصف قائلا « وهكذا يفعل سيبويه في كثير مما عرض له من أساليب النفي والاستفهام والشرط والتقديم والحذف » « 3 » . وهذا ضرب من ضروب الأساليب البلاغية ، وميدان من الميادين التي تتجلى فيها عبقرية اللغة ويتضح من خلالها لون من ألوان فلسفتها . ويرى الدكتور حسن عون ، أن هذا البحث من كتاب سيبويه أصبح فيما بعد « مصدرا هاما من مصادر عبد القاهر الجرجاني فاستغله استغلالا واسعا » « 4 » . إذن فقد اهتمت البيئة النحوية بمسائل النظم ، وهذا ابن جنى المعتزلي ( ت 392 ) يعقد فصلا بعنوان « مشابهة معاني الإعراب معاني الشعر » وهو يستند إلى آراء أبى على الفارسي الذي أفاد منه عبد القاهر ومنها ما هو قريب في نهجه ولونه من مباحث النظم في الدلائل « 5 » ونرى ابن جنى يفند أوهام اللفظيين
--> ( 1 ) نفس المصدر - 1 / 280 . ( 2 ) نفس المصدر - 1 / 253 و 277 . ( 3 ) الدكتور مصطفى ناصف - النظم في دلائل الاعجاز - حوليات آداب عين شمس - المجلد الثالث ص 18 - سنة 1952 م . ( 4 ) الدكتور حسن عون - أول كتاب في نحو العربية - مجلة آداب إسكندرية المجلد 11 / 48 سنة 1957 م . وقد ذكر الجرجاني كتاب سيبويه في ( الدلائل ) ص 73 و 145 و 210 وفي الأسرار 96 و 198 و 229 و 293 . ( 5 ) ابن جنى - الخصائص - 2 / 168 - 178 ط دار الكتب 1955 بتحقيق محمد على النجار .