منير سلطان
157
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
في الأبيات المشهورة ( ولما قضينا من منى ) « 1 » ويذكر أن المقاييس النحوية معنوية ولفظية ، والمعنوية أقوى « 2 » . أقصد من وراء هذا ، أن أقول - إن نظرية النظم لم تخلق من فراغ ، فبذورها موجودة ، وليس ببعيد عنا تلك المناظرة الحادة التي قامت بين الحسن بن عبد اللّه ، ابن المرزبان ، المعروف بأبى سعيد السيرافى ، وبين أبى بشر متى بن يونس في مجلس الوزير أبى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات ، في كلام السيرافى نرى ملامح التفكير في نظرية النظم بين المناطقة والنحويين . قال أبو سعيد السيرافى ، فيما دار بينه وبين أبى بشر متى . ( أسألك عن حرف واحد هو دائر في كلام العرب ومعانيه متميّزة عند أهل العقل ، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدلّ به وتباهى بتفخيمه وهو ( الواو ) ما أحكامه ، وكيف مواقعه ؟ وهل هو على وجه واحد ؟ فبهت متّى وقال : هذا نحو ، والنحو لم أنظر فيه ، لأنه لا حاجة للمنطقى مع النحو ، وبالنحوى حاجة إلى المنطق ، لأن المنطق يبحث عن المعنى ، والنحو يبحث عن اللفظ ، فإن مرّ المنطقي باللفظ فبالعرض ، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض ، والمعنى أشرف من اللفظ ، واللفظ أوضح من المعنى . قال أبو سعيد : أخطأت . لأن الكلام والنطق واللغة ، واللفظ والإفصاح والإعراب والإبانة والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والتمني والنهى والحض والدعاء والنداء والطلب ، كلها في واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ، ألا ترى أن رجلا لو قال : « نطق زيد بالحق لكن ما تكلم بالحق ، وتكلم بالفحش ولكن ما قال الفحش ، وأعرب عن نفسه ولكن ما أفصح ، وأبان المراد ولكن ما أوضح ، أوفاه بحاجته ولكن ما لفظ ، أو أخبر ولكن ما أنبأ ، لكان في جميع هذا مخرفا ومناقضا ، وواضعا للكلام في غير حقه ، ومستعملا اللفظ على غير شهادة من عقله ، وعقل غيره ، والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية ، والمنطق نحو ، ولكنه مفهوم باللغة » وحين يقول متى : يكفيني من لغتكم هذه ، الاسم والفعل والحرف ، فإني أتبلغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذبتها لي يونان ، يجيبه السيرافى : أخطأت لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها
--> ( 1 ) نفس المصدر - 218 - 220 . ( 2 ) نفس المصدر - 110 .