منير سلطان
153
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
تفكير سيكلوجى أعم يطبع كتاب « الأسرار » كلّه بطابعه ، فالمؤلف لا يفتأ يدعوك بين لحظة وأخرى إلى تجربة الطريقة النفسانية التي يسميها المحدثون ( الفحص الباطني ) وذلك أن تقرأ الشعر وتراقب نفسك عند قراءته وبعدها ، وتتأمل ما يعروك من الهزّة والارتياح والطرب والاستحسان ، وتحاول أن تفكر في مصادر هذا الإحساس . . . ومن العناصر الانسانية البارزة في نظرية المؤلف حرصه على مكانة الذوق والطبع والحس الفنى في المتعة الأديبة . . . ويتصل بهذا ما يلجأ إليه مرارا في إحالة قارئه إلى المركوز في الطبائع والراسخ في غرائز العقول والخواص التي قد فطر الانسان على أن يرتاح لها ويجد في نفسه هزّة عندها « 1 » . هذا ما نسجله هنا - لنصل عن طريقه إلى القول المسند ، إلى أن عبد القاهر قد بنى نظريته في النظم على فكرة النحو ومعاني النحو ، متوخيا في عرضها النقاش الهادئ مع قارئه مستثيرا العقل ومنطقة ثم النفس ورضاها . وهو في نهاية كتابه الدلائل ، يثبت أن العمدة في إدراك البلاغة الذوق والاحساس الروحاني « 2 » . ونظريته أيضا قد احتوت حديثا عن الجمال ، والجمال عنده موضوعي لا يخضع للأقوال العامة والقوانين المأثورة ، بقدر ما يرى للحسن مصدرا معلوما وعلة مفهومة وسبيلا يتّخذ للوصول إليه ، وفي الدلائل وهو يخاطب المتحمسين للفظ ، تجده يقول ( . . . ولكن بقي أن تعلمونا مكانة المزية في الكلام ، وتصفوها لنا ، وتذكروها ذكرا كما ينصّ الشيء ويعين ، ويكشف عن وجهه ويبين ، ولا يكفى أن تقولوا : إنه خصوصية في كيفية النظم ، وطريقة مخصوصة في نسق الكلم بعضها عن بعض ، حتى تصفوا تلك الخصوصية ، وتبينوها ، وتذكروا لها أمثلة ، وتقولوا « مثل كيت وكيت » ، كما يذّكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقّش ما تعلم به وجه دقة الصّنعة ، أو يعمله بين يديك ، حتى ترى عيانا ، كيف تذهب تلك الخيوط وتجىء ؟ وما ذا يذهب منها طولا وما ذا يذهب منها عرضا ؟ وبم يبدأ وبم يثنّى وبم يثلّث ، وتبصر « 3 » من الحساب الدقيق ومن
--> ( 1 ) محمد خلف اللّه أحمد - من الوجهة النفسية - 93 و 94 . ( 2 ) الجرجاني - الدلائل - 355 وما بعدها . ( 3 ) « وتبصر » معطوف على قوله قبل « حتى ترى عيانا » .