منير سلطان
154
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
عجيب تصرف اليد ، وما تعلم منه مكان الحذق وموضع الأستاذية « 1 » . فإذا كنا قد رأينا هربارت يحمل على استخدام الألفاظ العامة في وصف الجميل من حيث هي تجمع إلى الذاتية خطأ التجريد ، ويدعو إلى البحث عن كل عنصر من العناصر المكونة للجميل ، فكذلك الشأن عند الجرجاني ، يبدأ من نفس البداية وهي أن الجمال يتحقق في الشيء الجميل « 2 » . وهذا الأمر واضح لدى الجرجاني ، مرة يقول : أنه لا يكفى في علم الفصاحة أن تنصب لها قياسا وأن تصفها مجملا ، وتقول فيها قولا مرسلا « 3 » ومرة يخاطب القارئ أنه « لا بدّ لكل كلام تستحسنه ولفظ تستجيده من أن يكون لاستحسانك جهة معلومة وعلة معقولة » « 4 » . وفي هذا يختلف الجانب الجمالى عن الجانب الذوقى ، فالأول يحتاج إلى قاعدة تتميز بالصفة المعقولة حتى لا يترك الجمال رهينة في يد من لا يملكون حسن البصر بأمور الشعر ولا يفهمون مراميه ، فيتشتت بينهم ويتجمد ، أما الذوق وعليه تعتمد البلاغة فيما تعتمد فهو باب « لا تقوى عليه العبارة ، ولا تملك فيه إلا الإشارة ، وان طريق التعليم إليه مسدود وباب التفهيم دونه مغلق ، وأن معانيك ( أيها القارئ ) فيه ، معان تأبى أن تبرز من الضمير ، وأن تدين للتبيين والتصوير ، وأن ترى سافرة لا نقاب عليها ، وبارزة لا حجاب دونها ، وأن ليس للواصف لها إلا أن يلوح ويشير ويضرب مثلا . ينبئ عن حسن قد عرفه على الجملة ، وفضيلة قد أحسها من غير أن يتبع ذلك بيانا ، ويقيم عليه برهانا ، ويذكر له علّة ويورد فيه حجة ، وأنا أنزل لك القول بذلك وأدرجه شيئا فشيئا « 5 » . وبينما يرى أن الذّوق فطرى « 6 » يرى أن الجمال يمكن إدراكه وذلك عن طريق الطبع مع الدراسة والبحث والنظر .
--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 36 . ( 2 ) الدكتور عز الدين إسماعيل - الأسس الجمالية في النقد العربي - 209 و 210 . ( 3 ) الجرجاني - الدلائل - 27 . ( 4 ) نفس المصدر - 29 . ( 5 ) الجرجاني - الدلائل - 315 . ( 6 ) نفس المصدر - 356 .