منير سلطان

145

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وأن يصح التحدي به . ذلك ، لأنه لا يخلو إذا وقع التحدي به من أن يتحدّى من له علم بأمثاله من الغريب أو من لا علم له بذلك ، فلو تحدّى به من يعلم أمثاله لم يتعذر عليه أن يعارضه بمثله « 1 » . وإذا امتنعت هذه الأسباب ، أن تكون أصلا في الإعجاز ، فلم يبق إلا أن يكون في « النظم » : وليس هو في ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق « 2 » ولكنه تناسق دلالات الألفاظ وتلاقى معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل « 3 » لأن الجرجاني يعتبر الألفاظ أوعية للمعاني وهي تتبع المعاني في مواقعها « 4 » يقول « فإذا وجب لمعنى أن يكون ، أوّلا في النفس وجب اللفظ الدال عليه أن يكون مثله أوّلا في النطق ، فأما أن تتصور في الألفاظ أن تكون المقصودة قبل المعاني بالنظم والترتيب ، وأن يكون الفكر في النظم الذي يتواصفه البلغاء فكرا في نظم الألفاظ ، وأن يحتاج بعد ترتيب المعاني إلى فكر تستأنفه لأن تجىء بالألفاظ على نسقها ، فباطل من الظن ، ووهم يتخيّل إلى من لا يوفى النّظر حقّه « 5 » . فإدراك العلاقات بين الألفاظ ونظمها نظما معينا يؤدى إلى معنى معين بحيث لو تغير النظم لتغير المعنى ، ولا فصاحة في اللفظ ألا وهي موصولة بغيرها ومعلقة معناها بمعنى ما يليها ، فإذا قلنا في لفظه ( اشتعل ) من قوله تعالى ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) [ مريم - 4 ] أنها في أعلى مرتبة في الفصاحة ، لم توجب تلك الفصاحة لها وحدها ، ولكن موصولة بها الرأس معرفا بالألف واللام ومقرونا إليها الشيب منكرا ومنصوبا « 6 » . المعنى والنحو : الكلام عند الجرجاني على ضربين ، كلام منظوم ، يؤدى إلى معنى مباشر بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا « قصدت أن تخبر عن « زيد » مثلا بالخروج على

--> ( 1 ) نفس المصدر - 258 . ( 2 ) نفس المصدر - 35 . ( 3 ) نفس المصدر والصفحة . ( 4 ) الجرجاني - الدلائل - 242 . ( 5 ) نفس المصدر - 37 . ( 6 ) المصدر السابق - 262 .