منير سلطان

143

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وكانت النتيجة أنك إذا قرأت ما قاله العلماء في البلاغة وجدت جلّه أو كله رمزا ووحيا وكناية وتعريضا وايماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له ألّا من غلغل الفكر وأدق النظر « 1 » . وهذه هي الأسباب التي أدت بالجرجانى إلى الخوض في الإعجاز مناديا أن إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه لا في لفظه مهما كان شأن هذا اللفظ . إعجاز القرآن في « نظمه » عند الجرجاني : رفض الجرجاني أن يكون الاعجاز في : الألفاظ المفردة : لأن تقدير كونه فيها يؤدى إلى المحال ، وهو أن تكون الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة ، قد حدث في حذاقة حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن وتكون قد اختصت في أنفسها بهيئات وصفات يسمعها السامعون عليها إذا كانت متلوة في القرآن ولا يجدون لها تلك الهيئات خارج القرآن « 2 » . إذن هو يرد ما ذهب إليه الجاحظ « 3 » وأبو هلال العسكري « 4 » وابن رشيق القيرواني « 5 » في تمجيد اللفظ ، فلا شأن اللفظ ونظمه ، لأن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط ، وليس نظمها بمقتضى عن معنى « فلو أن واضع اللغة كان قد قال ( ربض ) مكان ( ضرب ) لما كان في ذلك ما يؤدى إلى فساد » « 6 » فلا

--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 250 . ( 2 ) نفس المصدر والصفحة . ( 3 ) يقول الجاحظ « والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي ، والقروي والبدوي ، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتغير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك » البيان والتبيين 1 / 253 . ( 4 ) يقول العسكري - ومن الدليل عن أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة والأشعار الرائعة ، ما علمت لإفهام المعاني فقط ، لأن الردىء من اللفظ يقوم مقام الجيد منها في الأفهام ، وإنما يدل على حسن الكلام ، أحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مطالعة و . . . و . . . وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني » - الصناعتين - 57 و 58 وانظر أيضا 154 . ( 5 ) يقول ابن رشيق « وأما المعاني فهي موجودة في طباع الناس يستوى الجاهل فيها والحاذق » العمدة 1 / 82 الطبعة الأولى 1925 م أمين هندية . ( 6 ) الجرجاني - الدلائل - 25 .