منير سلطان
142
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
فهذا التقليد قد جعل أمر الأعجاز سهلا ومعالجته يسيرا وما على الأديب ألّا أن يقلد العلماء فيما ذهبوا ويحفظ ما سطّروا له ، ولا يبحث عن تفسير المزايا والخصائص ما هي ؟ ومن أين كثرت الكثرة العظيمة ؟ واتسعت الاتساع المجاوز لوسع الخلق وطاقة البشر « 1 » . والكتب التي ألفت في البلاغة تمجد اللفظ ولا تلتفت إلى النظم كثيرة ، يقول الجرجاني « واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنّف في شأن البلاغة ، وكلام جاء عن القدماء ، إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب ، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه والعيب به ، وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ ، ويتشدّد غاية التشدد ، وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركا ، وسوّى فيه بين الخاصة والعامة . . . واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم ، وأنه يفضى بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر ، وذلك أنه ان كان العمل على ما يذهبون إليه ، من أن لا يجب فصل ومزيّة إلا من جانب المعنى ، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبا ، واستخرج معنى غريبا ، أو تشبيها نادرا . فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف ، وبطل أن يجب بالنظم فضل ، وأن تدخله المزية ، وان تتفاوت فيه المنازل ، وإذا بطل ذلك ، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز ، وصار الأمر على ما يقوله اليهود ، ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب « 2 » . وليس الأمر في التقليد أو في كتب البلاغة ، وإنما هو أيضا في آفة أخرى عجيبة لاحظها الجرجاني في كلام المتأخرين ، لاحظ أن لهم « كلام حمل صاحبه فرط شغفة بأمور ، ترجع إلى ما له اسم في البديع ، إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم ، ويقول ليبين ، ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء ، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء . وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده ، كما ثقل على العروس بأصناف الحلى حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها « 3 » .
--> ( 1 ) نفس المصدر - 303 . ( 2 ) نفس المصدر - 168 - 169 . ( 3 ) الجرجاني - أسرار البلاغة - 5 .