منير سلطان

141

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

فقد ارتبط الجانب الديني بدراسة الإعجاز ، ودراستهما في نظر الجرجاني فريضة دينية ، فالشعر ديوان وسجل أيام العرب ومفاخرهم ، وهو الميدان الذي تجلت فيه فصاحتهم ، وإذا كان القرآن قد بلغ درجة تقصر عنها قوى البشر ، فعلينا أن ندرس أولا ما استطاعوه ، لندرك عن طريقه ما عجزوا عنه وذلك عن طريق بحث علل التباين وأسباب التفاضل ، ومن ثم يكون الصّادّ عن ذلك « صادّا عن أن تعرف حجة اللّه تعالى ، وكان مثله مثل من يتصدى للناس فيمنعهم عن أن يحفظوا كتاب اللّه تعالى ويقوموا به ويتلوه ويقرءوه ، ويصنع في الجملة صنيعا يؤدى إلى أن يقلّ حفاظه والقائمون به والمقرءون له - ذاك لأنّا لم نتعبّد بتلاوته وحفظه والقيام بأداء لفظه على النحو الذي أنزل عليه ، وحراسته من أن يغيّر ويبدّل إلا لتكون الحجة به قائمة على وجه الدهر ، تعرف في كل زمان ، ويتوصّل إليها في كل أوان « 1 » . ويقول « فانظر أىّ رجل تكون ، إذا أنت زهدت في أن تعرف حجّة اللّه تعالى ، وآثرت فيه الجهل على العلم ، وعدم الاستبانة على وجودها ، وكان التقليد أحبّ إليك ، والتعويل على علم غيرك أثر لديك » « 2 » ومن ثمّ ، فالتهاون في دراسة الإعجاز على وجهه من المسلم العاقل ذي القدرة « خيانة من لعقله ودينه » « 3 » . وأما عن العلماء ، فقد رآهم الجرجاني مقلدين ، يقول فيهم « واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول ، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة ، وصيت وعلو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه ، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته ، وفشا وظهر ، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره ، صار ترك النظر فيه سنة ، والتقليد دينا . . . وكم من خطأ ظاهر ورأى فاسد حظى بهذا السبب عند الناس ، حتى بوّءوه في أخص موضع من قلوبهم ، ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم « 4 » .

--> ( 1 ) الجرجاني - الدلائل - 6 . ( 2 ) نفس المصدر - 7 . ( 3 ) نفس المصدر - 75 . السياق « إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة . . صار ترك النظر » . ( 4 ) الجرجاني - الدلائل - 302 .