منير سلطان

136

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وقد يقولون ، علمنا من عادات الناس وطبائهم أن الواحد منهم تواتيه العبارة ويطيعه اللفظ في صنف من المعاني ثم يمتنع عليه مثل تلك العبارة ، وذلك اللفظ في صنف آخر ، وإذا كان الأمر كذلك فلعل العجز الذي ظهر فيهم عن معارضة القرآن ، لم يظهر لا لأنهم لا يستطيعون مثل ذلك النظم ولكن لأنهم لا يستطيعونه في مثل معاني القرآن « 1 » . ويتقدم الجرجاني بقدرة متمكنة من الجدل ، فيتولى شرح فكرة بسيطة ، وهي أن المعاني المبتكرة التي يبتدعها الشاعر فلا يستطيع شاعر آخر الدنو منها ولو أراد ، أو نيل رونقها ولو توهم . ولبشار بيته الرائع : كأن مثار النّقع فوق رؤوسنا : وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه كما لعنترة بيتاه : وخلا الذباب بها فليس ببارح . . غردا كفعل الشارب المترنّم هزجا يحكّ ذراعه بذراعه . . قدح المكبّ على الزناد الأجذم وليست الروعة في أن بشارا وعنترة قد أوتيا في علم النظم جملة ما لم يؤت غيرهما ، ولكن ، لأنه إذا كان في مكان خبيء فعثر عليه إنسان وأخذه ، لم يبق لغيره مرام لذلك المكان « 2 » . ولا يمتنع أن يكون سبيل لفظ القرآن ونظمه هذا السبيل « 3 » . ولا بدّ أن يتضح في الأذهان أن العرب لم يطلب أن يأتوا بمثل معاني القرآن أنفسها بأعيانها ، بلفظ يشبه لفظه ، ونظم يوازى نظمه . وحقيقة الأمر . كما يخاطب الجرجاني المعارضين - أن التحدي إلى أن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني ، بنظم يبلغ نظم القرآن في الشرف أو يقترب منه ، يدل على ذلك قوله تعالى ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ ) ( هود - 13 ) أي مثله في النظم ، وليكن المعنى مفترى لما قلتم ، فلا إلى المعنى دعيتم ولكن إلى النظم « 4 » .

--> ( 1 ) الجرجاني - الرسالة الشافية - 602 . ( 2 ) نفس المصدر - 603 . ( 3 ) نفس المصدر - 605 . ( 4 ) الجرجاني - الرسالة الشافية - 606 .