منير سلطان
123
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
والنص على حقيقته يقول فيه الرماني بعد أن ذكر أقسام البلاغة العشرة « الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى ، وإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة ، ويمكن أن يعبر عنه بألفاظ قليلة ، فالألفاظ القليلة إيجاز ، والإيجاز على وجهين : حذف وقصر ، فالحذف : إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام ، والقصر : بنيه الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف . فمن الحذف ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) ومنه ( وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ) ومنه ( بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ) ومنه ( طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ) ومنه حذف الأجوبة ، وهو أبلغ من الذكر . وما جاء منه في القرآن كثير ، كقوله جل ثناؤه : « لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى » كأنه قيل : لكان هذا القرآن » « 1 » . وربما قيل أن الباقلاني حاول أن يقدم مثالا لفكرة الرماني فآثر الاختصار ، ولكن إغفال اسم الرماني لا يسمح بقبول هذا الاعتذار . وقد وافق الباقلاني الرماني في نفى السجع عن القرآن . يقول الرماني « الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني ، والفواصل بلاغة . والأسجاع عيب ، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعانى تابعة لها . . . وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة لأنها طريق إلى إفهام المعاني التي تحتاج إليها في أحسن صورة يدل بها عليها ، وإنما أخذ السجع في الكلام من سجع الحمام ، وذلك أنه ليس فيه إلا الأصوات المتشاكلة ، كما ليس في سجع الحمامة إلا الأصوات المتشاكلة . . . . الخ » « 2 » ويقول الباقلاني « ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع من القرآن ، وذكره أبو الحسن الأشعري رضى اللّه عنه في غير موضع من كتبه » « 3 » واسترسل الباقلاني في نفس السجع حتى وصل إلى ص 65 من كتابه ، وكان قد بدأ من ص 57 . ومن مجمل ما قاله في هذا الموضوع نلحظ ما يلي :
--> ( 1 ) الرماني - النكت في إعجاز القرآن - 70 . ( 2 ) الرماني - النكت في إعجاز القرآن - 89 و 90 . ( 3 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 57 و 58 .