منير سلطان
108
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ترتيبهم خطابهم ، ولا متبعا أسلوبهم ، ولكنه قرآن خارج عن العادة ، معجز . ثانيا : إن الشاعر قد يجوّد في المدح دون الهجو ، ومنهم من يسبق في طويلة جعلته ينفرد بهذا ويتميز على قول الحكيم وشعر الشاعر وخطبة الخطيب ، فليس عندهم القدرة على الإتقان بهذه الدرجة ثم القدرة على الاستمرار في هذا الإتقان . ثالثا : إن الشاعر قد يجود في المدح دون الهجو ، ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين ، أو في الوصف غير النسيب ، وكذا الكتاب البلغاء منهم عاجزون في ميدان الشعر ، ونرى الخطباء الأبيناء قد لا يتمكنون من نظم بيت ، وغير ذلك . فلكلّ قدرته ، أما القرآن فقد تصرف في مختلف الوجوه من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وإعذار وإنذار ووعيد وتبشير وتخويف بدرجة لا تتفاوت في الدقة ولا تقل في الإبداع . رابعا : إن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد ، وغير ذلك ، مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم بينما نجد القرآن على اختلاف فنونه ، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة ، والطرق المختلقة ، يجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمناسب ، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد . وهذا أمر عجيب . خامسا : نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة الكلام الجن كما يخرج عن عادة كلام الأنس فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا ، ثم يتصور الباقلاني أن أحدهم يعترض على إدخال الجن في دائرة المحاولة والخطأ ، فيورد بعض الأبيات التي تثبت المحاورات التي قامت بين الشعراء والغيلان ؟ سادسا : أن الذي ينقسم إليه الخطاب من البسط والاقتصار ، والجمع والتفريق والاستعارة والتصريح والتجوز والتحقيق ، ونحو ذلك من الوجوه في كلامهم موجود في القرآن . سابعا : أن المعاني التي تضمنها في أصل وضع الشريعة والأحكام والاحتجاجات في أصل الدين والرد على الملحدين ، على تلك الألفاظ ، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة ، مما يتعذر على البشر ويمتنع .