منير سلطان
109
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
ثامنا : أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام أو تقذف ما بين شعر ، فتأخذها الأسماع ، وتتشوف إليها النفوس ، ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن به كالدرة التي ترى في سلك من خرز ، وكالياقوت في واسطة العقد . تاسعا : أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفا ، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة ، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة ، وهو أربعة عشر حرفا ، ليدل بالمذكور على غيره وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم . عاشرا : أنه سهّل سبيله ، فهو خارج عن الوحشي المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصفة المتكلفة وجعله قريبا إلى الأفهام ، وهو مع ذلك ممتنع المطلب عسير المتناول غير مطمع مع قربه في نفسه ولا موهم مع دنوّه في موقعه ، أن يقدر عليه أو يظفر به « 1 » . وهذه الوجوه البلاغية بالإضافة إلى أنها من الممكن أن يندرج الفرع منها تحت الأصل ، فينكمش عددها - نجد أنها تخدم فكرة كبيرة واضحة هي أن لنظم القرآن موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام الأنس كما يخرج عن عادة كلام الجن ، وذلك هو الوجه المذكور في ( خامسا ) والذي قد ورد بصور مختلفة في كل وجه من الوجوه العشرة التي عدد فيها الباقلاني الإعجاز البلاغي للقرآن . وقد نفى الباقلاني الشعر عن القرآن « 2 » ثم نفى السجع أيضا - وفي السجع كثرت الأقوال - قال الباقلاني « ذهب أصحابنا كلهم إلى نفى السجع من القرآن ، وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه ، وذهب كثير ممن يخالفهم إلى اثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما يبين به فضل الكلام ، وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات
--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 35 إلى 47 وما بعدها . ( 2 ) نفس المصدر - من 51 إلى 56 .