أحمد بن الحسين البيهقي

11

استدراكات البعث والنشور

وقد ذكر اللّه عزّ وجل في غير آية من كتابه إثبات البعث منها قول اللّه عزّ وجل : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ، وقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . فأحال بقدرته على إحياء الموتى على قدرته على خلق السماوات والأرض التي هي أعظم جسما من الناس ومنها قوله عزّ وجل : قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . فجعل النشأة الأولى دليلا على النشأة الآخرة ، كأنها في معناها . ثم قال : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . فجعل ظهور النار على حرّها ويبسها من الشجر الأخضر على نداوته ورطوبته جواز على جواز خلقه الحياة في الرمّة البالية والعظام النخرة . وقد نبّهنا اللّه عزّ وجل في غير آية من كتابه على إحياء الموتى ، بالأرض تكون حيّة تنبت وتنمي وتثمر ثم تموت فتصير إلى أن لا تنبت وتبقى خاشعة جامدة ، ثم يحييها فتصير إلى أن تنبت وتنمي ، وهو الفاعل لحياتها ومواتها ثم حياتها ، فإذا قدر على ذلك لم يعجز أن يميت الإنسان ويسلبه معاني الحياة ثم يعيدها إليه ويجعله كما كان . ونبّهنا بإحياء النطفة التي هي ميتة وخلق الحيوان منها على قدرته على إحياء الموتى فقال عزّ وجل : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ يعني نطفا في الأصلاب والأرحام فخلقكم منها بشرا تنشرون . وقال تعالى : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ فأعلمنا أنه إذا أخرج النطفة من صلب الأب فهي ميتة ، ثم إنه جلّ ثناؤه جعلها حيّة في رحم الأم يخلق من يخلق منها ويركب الحياة فيه ، فهذا إحياء ميتة في المشاهدة ، فمن يقدر على هذا لا يعجز عن أن يميت هذا الخلق ثم يعيده حيّا .