أحمد بن الحسين البيهقي
12
استدراكات البعث والنشور
ثم بسط هذا المعنى في آية أخرى فقال : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى . ونبّهنا على ذلك بفلق الحبّ والنوى فقال عزّ وجل : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وذلك أن الحبّ إذا جفّ ويبس بعد انتهاء نمائه وقع اليأس من ازدياده ، وكذلك النوى إذا تناهى عظمه وجفّ ويبس كانا ميتين ، ثم إنهما إذا أودعا الأرض الحيّة فلقهما اللّه تعالى وأخرج منهما ما يشاهد من النخل والزرع حيّا ينشأ وينمو إلى أن يبلغ غايته ، ويدخل في هذا المعنى البيضة تفارق البائض ويجري عليها حكم الموت ، ثم يخلق اللّه منها حيّا فهل هذا إلا إحياء الميتة ، وهو أمر مشاهد والعلم به ضروري . وقد نبّهنا اللّه عزّ وجل على إحياء الموتى بما أخبر من إراءة إبراهيم عليه السلام إحياء الأموات ، وقد نقلته عامة أهل الملل . وبما أخبر به عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ثم أحياهم . وبما أخبر به عن الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها فقال : أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها فأماته اللّه مائة عام ثم بعثه . وبما أخبر به من عصا موسى عليه السلام وقلبه إياها حيّة ، ثم إعادتها خشبة ، ثم جعلها عند محاجّة السحرة حيّة ، ثم إعادتها خشبة ، وقد اشتركت عامة أهل الملل في نقله . وبما أخبر به من شأن أصحاب الكهف الذي ضرب على آذانهم زيادة على ثلاثمائة سنة ، ثم أحياهم ليدلّ قومهم عندما أعثرهم عليهم على أن ما أنذروا به من البعث بعد الموت حق لا ريب فيه . وقد نقلنا الآثار في شرح ذلك في الأول من كتاب البعث والنشور .