عبد الملك الجويني
20
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
وعلى هذا المذهب بنوا كثيرا من الأهواء ، وهو باطل . فإن الأخص لو أوجب الاشتراك فيه الاشتراك في سائر الصفات النفسية ، لامتنع مشاركة الشيء خلافه في صفات العموم ، إذ هما غير مشتركين في الأخص ، فإذا فقدت العلة لزم انتفاء المعلول . وقد علمنا أن السواد المخالف للحركة بالأخص مشارك لها في الحدث والوجود والعرضية وغيرها ، فيبطل تعليل التماثل في الصفات بالاشتراك في الأخص . ومما يبطل ذلك ، أن الشيء عندهم يماثل مثله بما يخالف به خلافه . ثم العلم مخالف للقدرة في كونه علما على الضرورة ، ومنكر ذلك جاحد لها ، وذلك يبطل المصير إلى أن المخالفة والمماثلة تقعان بالأخص . فالوجه بعد بطلان اعتبار الأخص تعليلا به ، أن نقول : لا بدّ من رعاية جمع صفات النفس في تبيين المماثلة ، وقد بطل التعليل بشيء منها ، فلا وجه إلا ذكر جميعها . وقد نقضت المعتزلة أصلها ، حيث أثبتوا للباري سبحانه وتعالى إرادة حادثة ، يستحيل عليها القيام بالمحال ، وقضوا بأنها مثل لإرادتنا القائمة بالمحل ، وهذا اعتراف بالاشتراك في الأخص من غير وجوب الاشتراك في سائر الصفات . فصل فإن قيل : هل يجوز أن يستبد أحد المثلين بحكم عن مماثله ؟ أم هل يجوز أن يشارك أحد الخلافين في حكم ما يخالفه ؟ قلنا : هذا السؤال يشتمل على مسألتين . فأما الأولى ، فالجواب عنها أن الشيء لا يستبد بصفة نفس عن مثله ، ويجوز أن ينفرد بصفة معنى وقوعا يجوز مثلها على مماثله . وبيان ذلك بالمثال أن الجواهر متماثلة لاستوائها في صفات الأنفس ، إذ لا يستبدّ جوهر عن جوهر بالتميز وقبول الأعراض ، إلى غير ذلك من صفات الأنفس ، وقد يختص بعض الجواهر بضروب من الأعراض يجوز أمثالها في سائر الجواهر . فخرج من ذلك أن اختصاص الشيء ببعض الصفات الجائزة على مماثله لا يقدح في مماثلته له ، فإن الشيء يماثل ما يماثله لنفسه ، فيراعى في حكم المماثلة صفات الأنفس . فالطواري الجائزة لا تحيل صفات الأنفس . وأما المسألة الثانية التي تضمنها السؤال ، فالوجه فيها أن لا يمتنع مشاركة الشيء لما يخالفه في بعض صفات العموم ؛ فالسواد وإن خالف البياض فإنه يشاركه في الوجود ، وكونهما عرضين لونين ، إلى غير ذلك . وغرضنا من التعرض لهذه المسألة الرد على طوائف من الباطنية « 1 » ، حيث قالوا : لا يثبت للباري ، تعالى عن قولهم ، صفة من صفات الإثبات . وزعموا أنهم لو وصفوا القديم بكونه موجودا
--> ( 1 ) ظهرت دعوة الباطنية في أيام المأمون من حمدان قرمط ، ومن عبد اللّه بن ميمون القدّاح وليست الباطنية من فرق الإسلام بل من فرق المجوس . انظر الفرق بين الفرق .