عبد الملك الجويني
21
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
ذاتا ، لكان ذلك تشبيها منهم له بالحوادث ، إذ هي ذوات موجودات . وسلكوا مسلك النفي فيما يسألون عنه من صفات الإثبات . فإذا قيل لهم الصانع موجود ، أبوا ذلك ، وقالوا : إنه ليس بمعدوم . وهذا الذي قالوه لا تحقيق له . فإنا نقول : باضطراد نعلم أنه ليس بين الانتفاء والثبوت درجة ؛ وهؤلاء إن نفوا الصانع أقيمت عليهم الدلائل في إثبات العلم به ، وإن أثبتوه لزمهم من إثباته ما حاذروه ، إذا الحوادث ثابتة تتضمن إثباته . فإن زعموا أن الصانع ثابت ولكن لا نسميه ثابتا ، لم يغنهم ذلك ؛ فإن التماثل والاختلاف يتعلقان بما يثبت عقلا ، دون ما يطلق في اللغات والتسميات ثم يلزمهم أن يصفوا الرب تعالى بالوجود ، ويمتنعوا من وصف الحوادث به ، ففي ذلك حصول غرضهم ؛ فبطل ما قالوه من كل وجه . فإن قيل : فهل تطلقون القول بأن اللّه تعالى يماثل الحوادث في الوجود ، أم تأبون ذلك ؟ قلنا : هذا ما لا سبيل إلى إطلاقه ؛ فإن القائل إذا قال الرب تعالى يماثل الحوادث ، فقد وصف ذاته بالمماثلة ، وإنما يشارك القديم الحادث في حكم واحد ، فلا وجه لإطلاق التشبيه والتمثيل عموما ، ثم رده إلى خصوص ، بل الوجه أن يقال : حقيقة الوجود تثبت على وجه واحد شاهدا وغائبا ، فيقع التعرض لما فيه الاشتراك دون ما عداه . فإن قيل : ألستم تطلقون كونه مخالفا لخلقه ، وإن كان مشاركا للحوادث في الوجود ؟ قلنا : المخالفة بين الخلافين لا تجري مجرى المماثلة ؛ فإن المماثلة من حقيقتها تساوي المثلين الموصوفين بها في جميع صفات النفس ، والمخالفة لا تقتضي الاختلاف في جميع الصفات ؛ إذ لا تتحقق المخالفة إلا بين موجودين ، فمن ضرورة إطلاق المخالفة التعرض لاشتراك المختلفين في الوجود . فلما اقتضت المماثلة تعميم الاشتراك في صفات النفس لم نطلقها ، والاختلاف ليس من موضوعه التباين في كل الصفات . فصل فإن قال قائل : قد ذكرتم أنه لا يمتنع اشتراك القديم والحادث في بعض صفات الإثبات ، ففصّلوا ما يختص بالحوادث من الصفات ، وهي تستحيل في حكم الإله . قلنا : نذكر أولا ما يختص الجواهر به . فمما تختص الجواهر به التحيز ، ومذهب أهل الحق قاطبة أن اللّه سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات . وذهبت الكرّامية « 1 » وبعض الحشوية « 2 » إلى أن الباري ، تعالى عن قولهم ، متحيز مختص بجهة
--> ( 1 ) شيخهم هو أبو عبد اللّه محمد بن كرّام السجستاني . دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده وكان يقول بأن اللّه مماسّ لعرشه وأن العرش مكان له تعالى اللّه عما يقول . انظر الفرق بين الفرق . ( 2 ) أيضا دعوا إلى التجسيم حتى قالوا : إن للّه تعالى جسما .