المقداد السيوري

124

إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين

[ الخمس ] وهل هو زائد على العلم ؟ الحق أنه كذلك في حقنا لوجهين : الأول : انا نجد تفرقة ضرورية بين علمنا بحرارة النار وبين لمسنا لها ، فان لمسنا مؤلم والعلم بها من غير اللمس غير مؤلم . الثاني : لو لم يكن زائدا على العلم مغايرا له لكان كل موصوف به موصوفا بالعلم ، واللازم باطل ، فان الحيوانات العجم موصوفة بالادراك وغير موصوفة بالعلم ، والملازمة ظاهرة . ثم تلك الزيادة هل هي راجعة إلى تأثير الحاسة أو إلى أمر آخر ؟ ذهب الحكماء والمعتزلة إلى الأول ، لان في الادراك تأثر الحاسة وتصور ذلك الشيء ، فالتصور هو العلم ويبقى التأثر . وقالت الأشاعرة : راجعة إلى المعنى الذي يخلقه اللّه تعالى ، وباعتباره يحصل الادراك ، وهو باطل كما يجيء . وقيل : غير ذلك وهو ان الادراك مغاير للعلم ، لان العلم حصول صورة الشيء في العقل ، فهو لا يكون علما الا إذا كان أمرا كليا ، بخلاف الادراك فإنه يكون للجزئيات ، فيكون مغايرا له حاصلا في آلة النفس . والتحقيق هنا أن الجزئيات الشخصية لا تدرك بالحدود والبراهين ، لتألف « 1 » الحدود والبراهين عن التصورات الكلية ، ولا يمكن اقتناص الشخصيات من الكليات ، لعروض التغير والفساد لها ، والكليات بعيدة عن ذلك والحد والمحدود والبرهان ، وما عليه البرهان يجب تطابقهما وتناسبهما ، فمتعلقهما ليس هو الشخصيات ، بل مدرك الشخصيات الحواس ، ومدرك الكليات العقل . وقد وقع الاصطلاح على [ وضع ] اسم العلم على الصنف الثاني والادراك على

--> ( 1 ) في « ن » : لتأليف .