الغزالي
14
الأربعين في اصول الدين
والتكليف ، لا عن وجوب ، ومتطول « 1 » بالإنعام والإصلاح لا عن لزوم ، فله الفضل والإحسان والنعمة والامتنان ، إذ كان قادرا على أن يصب على عباده أنواع العذاب ، ويبتليهم بضروب الآلام والأوصاب « 2 » . ولو فعل ذلك لكان منه عدلا ولم يكن منه قبيحا ولا ظلما . وأنه يثيب « 3 » عباده على الطاعات بحكم الكرم والعدل لا بحكم الاستحقاق واللزوم ؛ إذ لا يجب عليه فعل ، ولا يتصور منه ظلم ، ولا يجب لأحد عليه حق . وأن حقه في الطاعات واجب على الخلق بإيجابه على لسان أنبيائه ، لا بمجرد العقل ، ولكنه بعث الرسل وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة فبلّغوا أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فوجب على الخلق تصديقهم فيما جاءوا به . الأصل التاسع في اليوم الآخر : وأنه يفرق بالموت بين الأرواح والأجسام ، ثم يعيدها إليها عند الحشر والنشور ، فيبعث من في القبور ويحصّل ما في الصدور « 4 » . فيرى كل مكلّف ما عمله من خير أو شر محضرا « 5 » ، ويصادف دقيق ذلك وجليّه مسطّرا في كتاب ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ويعرف كل واحد مقدار عمله ، خيره وشره بمعيار صادق ، يعبّر عنه بالميزان ، وإن كان لا يساوي ميزان الأعمال ميزان الأجسام الثقال ، كما لا يساوي الأصطرلاب الذي هو ميزان المواقيت ، والمسطرة التي هي ميزان المقادير ، والعروض الذي هو ميزان الأشعار ، سائر الموازين ، ثم يحاسبهم على أفعالهم وأقوالهم ، وسرائرهم وضمائرهم ، ونياتهم وعقائدهم ، مما أبدوه أو أخفوه ، فإنهم يتفاوتون فيه إلى مناقش في الحساب ، وإلى مسامح فيه ، وإلى من يدخل الجنة بغير حساب . وأنهم يساقون إلى الصراط ، وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء ومنازل السعداء ، أحدّ من السّيف ، وأدقّ من الشّعر ، يخفّ عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم الذي يوازيه في الخفاء والدقة ،
--> ( 1 ) متطول : متفضل متمنن . ( 2 ) الأوصاب : جمع وصب وهو المرض الدائم وقد يطلق على التعب . ( 3 ) يثيب : يجزي ويعطي . ( 4 ) قال تعالى في سورة العاديات ؛ الآيتان 9 و 10 : أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ . ( 5 ) قال تعالى في الآية 30 من سورة آل عمران : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً .