الغزالي
15
الأربعين في اصول الدين
ويتعثر به من عدل عن سواء السبيل المستقيم إلا من عفي عنه بحكم الكرم . وأنهم عند ذلك يسألون ، فيسأل من شاء من الأنبياء عن تبليغ الرسالة ، ومن شاء من الكفار عن تكذيب المرسلين ، ومن شاء من المبتدعة عن السنّة ، ومن شاء من المسلمين عن أعمالهم ، فيسأل الصادقين عن صدقهم ، والمنافقين عن نفاقهم . ثم يساق السعداء إلى الرحمن وفدا ، والمجرمون إلى جهنم وردا « 1 » . ثم يأمر بإخراج الموحّدين من النار بعد الانتقام ، حتى لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان ، ويخرج بعضهم قبل تمام العقوبة والانتقام ، بشفاعة الأنبياء والعلماء والشهداء ، ومن له رتبة الشفاعة . ثم يستقر أهل السعادة في الجنة منعمين أبد الآبدين ، ممتعين بالنظر إلى وجه اللّه تعالى . ويستقر أهل الشقاوة في النار مردّدين تحت أنواع العذاب ، مبعدين عن النظر بالحجاب إلى وجه اللّه تعالى ، ذي الجلال والإكرام . الأصل العاشر في النبوة : وأنه تعالى خلق الملائكة وبعث الأنبياء ، وأيّدهم بالمعجزات . وأن الملائكة كلهم عباده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون « 2 » . يسبحون الليل والنهار لا يفترون . وأن الأنبياء رسله إلى خلقه ، وينتهي إليهم وحيه بواسطة الملائكة فينطقون عن وحي يوحى لا عن الهوى ، وأنه بعث النبيّ الأميّ القرشيّ محمد المصطفى صلى اللّه عليه وسلم برسالته إلى كافة العرب والعجم ، والجن والإنس ، فنسخ بشرعه الشرائع ، وجعله سيد البشر ، ومنحه كمال الإيمان بشهادة التوحيد ، وهو قوله : « لا إله إلا اللّه » ما لم يقترن بها شهادة الرسول ، وهو قوله : « محمد رسول اللّه » . وألزم الخلق تصديقه في جميع ما أخبر به عنه ، في أمر الدنيا والآخرة ، وألزمهم اتّباعه والاقتداء به فقال : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . فلم يغادر شيئا يقرّبهم من اللّه سبحانه ، إلا أمرهم به ، ودلهم على سبيله ، ولا شيئا يقربهم إلى النار ، ويبعدهم عن اللّه تعالى إلا نهاهم عنه ، وعرّفهم طريقه . وأن ذلك أمور لا يرشد إليها مجرد العقل والرأي والذكاء ، بل هي أسرار يكاشف بها من حظيرة القدس قلوب الأنبياء .
--> ( 1 ) قال تعالى في الآيتين 85 و 86 من سورة مريم : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ، وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً . ( 2 ) يستحسرون : يتعبون ويكلون .