الغزالي

13

الأربعين في اصول الدين

من غير حدقة ولا أجفان ويسمع من غير أصمخة « 1 » ولا آذان . كما يعلم من غير قلب ، ويبطش بغير جارحة ، ويخلق بغير آلة ؛ إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق ، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق . الأصل السابع في الكلام : وأنه متكلم آمرناه ، وأعد متوعد بكلام أزلي قديم ، قائم بذاته لا يشبه كلامه كلام الخلق ، كما لا يشبه ذاته ذوات الخلق ؛ فليس بصوت يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام ، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان . وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله . وأن القرآن مقروء بالألسنة ، مكتوب في المصاحف ، محفوظ في القلوب . وأنه مع ذلك قديم قائم بذات اللّه تعالى ، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق . وأن موسى - عليه السلام - سمع كلام اللّه بغير صوت ولا حرف . كما يرى الأبرار ذات اللّه - سبحانه - من غير جوهر ولا شكل ولا لون ولا عرض . وإذا كانت له هذه الصفات ، كان حيّا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا ، متكلما بالحياة والعلم والقدرة والإرادة ، والسمع والبصر والكلام ، لا بمجرد الذات . الأصل الثامن في الأفعال : وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله ، وفائض من عدله ، على أحسن الوجوه وأكملها ، وأتمها وأعدلها . وأنه حكيم في أفعاله ، عادل في أقضيته ، لا يقاس عدله بعدل العباد ؛ إذ العبد يتصوّر منه الظلم بتصرفه في ملك غيره ، ولا يتصوّر الظلم من اللّه تعالى - سبحانه - فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما . فكل ما سواه من إنس وجن ، وشيطان وملك ، وسماء وأرض ، وحيوان ونبات ، وجوهر وعرض ، ومدرك ومحسوس ، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وإنشاء ، بعد أن لم يكن شيئا ؛ إذ كان في الأزل موجودا وحده ، ولم يكن معه غيره ، فأحدث الخلق إظهارا لقدرته ، وتحقيقا لما سبق من إرادته ، ولما حقّ في الأزل من كلمته ، وهي قوله : « كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف » لا لافتقاره إليه ، ولا لحاجته . وأنه متفضل بالخلق والاختراع

--> ( 1 ) أصمخة : جمع صمخ ، وهو باطن الأذن المفضي إلى الرأس .