الغزالي

101

الأربعين في اصول الدين

العمامة بإزار ، ولبس الجوارب ليظنّ أنه متقشف لشدة ورعه من غبار الطريق . ثم منهم من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح ، فيلازم الثوب الخلق ، ولو لبس ثوبا جديدا لكان عنده كالذبح ، إذ يخاف أن يقول الناس قد بدا له من الزهد . ومنهم من يطلب المنزلة من السلاطين والتجار ، ولو لبس خلقان الثياب لازدروه ، ولو لبس فاخر الثياب لم يعتقدوا زهده ، فيطلب المرقعة المصبوغة والفوطة الرقيقة ، والأصواف الرفيعة ، فتكون ثيابهم في القيمة والنفاسة كثياب الأغنياء ، وفي اللون والهيئة كثياب الصلحاء ، ولو كلّفوا أن يلبسوا الخلق لكان عندهم كالذبح خيفة عن السقوط من أعين الأغنياء ، ولو كلّفوا لبس الخزّ والقصبيّ والديبقي وما يباح لبسه ، قيمته دون قيمة ثيابهم ، لاشتد عليهم خوفا عن سقوط منزلتهم عن القلوب الصلحاء ، إذ يقولون : بدا له من الزهد . الرابع : الرياء بالقول : كرياء أهل الوعظ والتذكير ، وتحسين الألفاظ وتسجيعها ، والنطق بالحكمة ، والأخبار ، وكلام السلف ، مع ترقيق الصوت وإظهار الحزن ، مع الخلوّ عن حقيقة الصدق والإخلاص في الباطن ، بل ليظنّ به ذلك ، وكادّعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ والمبادرة إلى الحديث أنه صحيح أو سقيم ، ليظن به غزارة العلم . وكتحريك الشفتين بالذّكر ، والأمر بالمعروف بمشهد الناس مع خلوّ القلب عن التفجع بالمعصية . وكإظهار الغضب عن المنكرات والأسف عن المعاصي مع خلوّ القلب عن التألم به . الخامس : الرياء بالعمل : كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود ، وإطراق الرأس ، وقلة الالتفات ، والتصدّق ، والصوم ، والحج ، والإخبات « 1 » في المشي مع إرخاء الجفون ، مع أن اللّه تعالى عالم أن باطنه لو كان خاليا لما فعل شيئا من ذلك ، بل تساهل في الصلاة وتسرّع في المشي ، وقد يفعل ذلك في المشي « 2 » ، فإذا شعر باطلاع غيره عليه عاد إلى السكينة كي يظن به الخشوع . السادس : الرياء بكثرة التلامذة والأصحاب وكثرة ذكر الشيوخ : ليظن أنه لقي شيوخا كثيرة ، وكمن يحب أن يزوره العلماء والسلاطين ليقال إنه ممن يتبرّك به .

--> ( 1 ) الإخبات : الإبطاء والتخشع ، وهنا بمعنى التمكن . ( 2 ) أي يتسرع .