الغزالي

102

الأربعين في اصول الدين

فهذه مجامع ما يراءى به في الدين ؛ وكل ذلك حرام ، بل هو من الكبائر . وأما طلب المنزلة في قلوب الناس بأفعال ليست من العبادات وأعمال الدين فليست بحرام ، ما لم يكن فيه تلبيس كما ذكرناه في طلب الجاه . فأهل الدنيا قد يطلبون الجاه بكثرة المال ، والغلمان ، وحسن الثياب الفاخرة ، وحفظ الأشعار ، وعلم الطب ، والحساب ، والنحو ، واللغة ، وغير ذلك من الأعمال والأحوال . ولم يحرم ذلك ما لم ينته إلى الإيذاء بالتكبر وإلى أخلاق أخرى مذمومة ، وإنما استقصينا أقسام الرياء لأنه أغلب الأخلاق الذّميمة على النفوس ، فمن لا يعرف الشرّ ومواقعه ، لا يمكنه أن يتّقيه . [ فصل الرياء على درجات خبيثة ] الرياء على درجات خبيثة : إحداها : أن لا يكون بالأمور الدينية والعبادات ، كالذي يلبس عند الخروج ثيابا حسنة خلاف ما يلبسه في الخلوة ، وكالذي ينفق في الضيافات وعلى الأغنياء أموالا ، ليعتقد أنه سخي ، لا ليعتقد أنه ورع صالح ، فذلك ليس بحرام ؛ فإنّ تملك القلوب كتملك الأموال . نعم ، القليل منه صالح نافع ، والكثير منه يلهي عن ذكر اللّه ، كالكثير من المال . ومهما انصرفت الهمة إلى سعة الجاه ، فيجرّ ذلك إلى الغفلة والمعاصي ، فيكون محذورا بذلك لا لنفسه ، وأما إظهار الشمائل التي ذكرناها ليعتقد الناس فيه الدين والورع فحرام لشيئين : أحدهما ، أنه تلبيس إذا أراد أن يعتقد الناس أنه مخلص مطيع للّه محبّ ، وهو بهذه النية فاسق ممقوت عند اللّه . ولو سلّم الرجل دراهم إلى جماعة يخيل إليهم أنه يجود عليهم بها ، وإنما هي ديون لازمة ، عصى لتلبيسه ، وإن لم يطلب به أن يعتقد صلاحه لأن ملك القلوب بالتلبيس حرام . الثاني : أنه إذا قصد بعبادة اللّه خلق اللّه فهو مستهزئ ، ومن وقف بين يدي ملك في معرض الخدمة وليس غرضه ذلك بل غرضه ملاحظة عبد من عبيد الملك أو جارية من جواريه . فانظر ما ذا يستحقه من النّكال لاستهزائه بالملك ، فكأنه إذا قصد العباد بالعبادة فقد اعتقد أن عباد اللّه أقدر على نفعه وضره من اللّه تعالى ، إذ عظمة العباد في قلبه دعته إلى أن يتجمل عندهم بعبادة اللّه ، ولهذا سمي الرياء الشرك الأصغر ، ثم يزداد الإثم بزيادة فساد القصد والنية . ومن المرائين من لا يطلب إلا مجرد الجاه . ومنهم من يطلب أن يودع الودائع