فخر الدين الرازي

287

الأربعين في أصول الدين

كانوا على الخطأ ، وعند الخصم كانوا على الكفر . وعلى التقديرين فلا يليق بهم قوله تعالى : « فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ ، يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً » ( الفتح 16 ) ولما بطلت هذه الأقسام لم يبق الا أن يكون المراد به : أحد الخلفاء الثلاثة - أعنى أبا بكر وعمر وعثمان - وعلى هذا التقدير تكون الآية دالة على صحة خلافة أحد هؤلاء الثلاثة . ومتى صحت خلافة أحدهم ، صحت خلافة الكل ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الحجة الثالثة : لو كانت خلافة أبى بكر باطلة ، لما كان ممدوحا معظما عند الله تعالى . وقد كان كذلك ، فوجب القطع بصحة خلافته . أما الملازمة فظاهرة . والخصم موافق عليه . وانما قلنا بأنه ممدوح من عند الله لوجوه : أحدها : قوله تعالى : « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ » ( الفتح 18 ) وهو ممن كان بايع تحت الشجرة ، فوجب أن يكون ممن رضي الله عنه . وثانيها : قوله تعالى : « وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ ، وَالْأَنْصارِ ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » ( التوبة 100 الآية ) . ولا شك أنه كان من السابقين الأولين . فانا وان اختلفنا في أنه هل كان ايمانه قبل ايمان الكل ؟ الا أن لفظ « السابقين » يفيد كل من كان له سبق في الدين . ولولا أن المراد ذلك ، والا لما دخل فيه الأنصار . وإذا ثبت أنه من السابقين ، وجب أن يدخل تحت قوله : « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » وثالثها : قوله تعالى : « وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى . وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى . وَلَسَوْفَ يَرْضى » ( الليل 17 - 21 ) فنقول : اتفق الأكثرون من أهل التفسير على أن المراد من هذه الآية هو أبو بكر . ونحن مع هذا نقيم الدلالة عليه .