فخر الدين الرازي

288

الأربعين في أصول الدين

فنقول : انه تعالى وصف الشخص المراد من هذه الآية بأنه أتقى . وإذا كان أتقى كان أكرم . لقوله تعالى : « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » ( الحجرات 13 ) والأكرم عند الله لا بدّ وأن يكون أفضل ، فثبت : أن المراد من هذه الآية : شخص هو أفضل الخلق . وأجمعت الأمة على أن أفضل الخلق بعد الرسول عليه السلام اما أبو بكر واما على فاذن هذه الآية مختصة اما بأبى بكر واما بعلى . لا جائز أن تكون نازلة في حق « على » لأن الشخص المراد من هذه الآية : موصوف بوصف معين . وهو أنه ليس لأحد عنده من نعمة تجزى . و « على » ما كان كذلك . لأن عليا انما نشأ في تربية محمد عليه السلام وطعامه عنده وشرابه . وذلك نعمة تجزى . وأما أبو بكر فإنه ما كان للنبي عليه السلام في حقه نعمة تجزى ، بل كان له في حقه نعمة الارشاد إلى الدين ، الا أن هذه النعمة لا تجزى بدليل : أنه تعالى حكى عن الأنبياء عليهم السلام أنهم كانوا يقولون لأممهم : « وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ » ( الشعراء 127 ) ولم يقل تعالى : وما لأحد عنده من نعمة ، بل قال : « وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى » فبهذا القيد خرج على رضي الله عنه عن أن يكون مرادا بهذه الآية . فبقى أن يكون المراد بهذه الآية هو أبو بكر . إذا ثبت هذا ، فنقول : دلت الآية أيضا : على أنه أفضل الخلق . فإنه تعالى لما وصفه بأنه أتقى . والأتقى أفضل ، وجب أن يكون هو أفضل الخلق . ودلت الآية أيضا : على أنه تعالى راض عنه في الحال والاستقبال ، لأنه قال : « وَلَسَوْفَ يَرْضى » وكلمة « سوف » مختصة بالاستقبال . هذا يدفع سؤال من قال : لعله تعالى كان راضيا عنه في تلك الحالة ، لما كان مرضيا ، ثم زال الرضاء عنه وقت اشتغاله بالخلافة لأنه تعالى بين بقوله : « وَلَسَوْفَ يَرْضى » بقاء ذلك الرضوان في المستقبل « 1 » .

--> ( 1 ) في الحال والاستقبال : ا