فخر الدين الرازي

164

الأربعين في أصول الدين

والجواب من وجوه : أحدها : انه تعالى لما أراد نسخ ما كان في الجاهلية من تحريم أزواج الأدعياء ، أوحى إليه : أن « زيد » يطلق زوجته ، فان طلقها فتزوج أنت بها . فلما حضر « زيد » ليطلقها ، أشفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أنه لو طلقها لزمه التزوج بها ، فيصير سببا لطعن المنافقين فيه . فقال له : « أمسك عليك زوجك » وأخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد أن يطلقها زيد . وهذا التأويل هو المطابق لقوله تعالى : « فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها ، لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ » . وثانيها : ان زيدا لما خاصم زوجته زينب - وهي بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وأشرف على طلاقها ، أضمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ان طلقها « زيد » يتزوج بها ، لأنها كانت ابنة عمته ، وكان يحب ضمها إلى نفسه . كما يحب أحدنا ضم قرابته إليه ، حتى لا ينالهم ضرر ، لا أنه عليه السلام ما أظهر ذلك اتقاء من ألسنة المنافقين . فاللّه تعالى عاتبه على التفات قلبه إلى الناس . وقال : « وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ » وثالثها : ان « زينب » طمعت في أول أمرها أن يتزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما خطبها الرسول لزيد ، شق ذلك عليها وعلى أبيها وأمها ، حتى نزل قوله تعالى : « وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ ، إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً ، أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ » فعنده انقادوا كرها ، فلما دخل عليها زيد ، لم تساعده ، ونشرت عنه ، لاستحكام طمعها في الرسول عليه السلام ، واستحقارها زيدا ، فشكاها « زيدا » إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عليه السلام : « أمسك عليك زوجك » وأخفى في نفسه استحكام طمعها فيه ، لأنه عليه السلام لو ذكر ذلك لزيد ، لتنغصت عليه تلك النعمة . وقال المنافقون : انه انما قال ذلك طمعا في تلك المرأة .