فخر الدين الرازي

165

الأربعين في أصول الدين

فهذه الوجوه الثلاثة صالحة لتأويل الآية . وأما الّذي يقال : انه عشقها . فهو من باب الآحاد . والأولى تنزيه منصب النبي عنه . ثم بتقدير الصحة ، فلا معصية فيه ، لأن ميل القلب غير مقدور . ثم من هؤلاء من قال : انه عليه السلام لما رآها وعشقها ، حرمت على زوجها . وهذا باطل . والا لكان أمر زيد بامساكها أمرا بالزنا . ولكان وصفها بكونها زوجا له في قوله « أمسك عليك زوجك » كذبا . ومنهم من قال : انها ما حرمت على زوجها ، ولكن وجب على زوجها تطليقها والنزول عنها . قالوا : وهذا التكليف حصل فيه ابتلاء الزوج ، وابتلاء الرسول . أما ابتلاء الزوج فلأن تكليف النزول عن الزوجة طلبا لمرضاة الله ، فيه تشديد . وأما ابتلاء الرسول ، فلأنه إذا لم يحفظ نظره ، فربما وقع نظره على من يميل إليها ، لأن حصول الميل بعد الرؤية ليس باختياره ، وحينئذ يجب أن يجبر الزوج بأنه يجب عليه تطليقها . وان أجبره بذلك تعرض لسوء المقالة ، وان لم يجبره بذلك صار خائنا في الوحي ، فلأجل الاحتراز عن هذين الضررين العظيمين ، كان عليه السلام يبالغ في حفظ النظر . وذلك من أشق التكاليف . الشبهة الرابعة : تمسكوا بقوله تعالى : « ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ؟ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ، لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » ( الأنفال 67 - 68 ) الجواب : ان هذا العتاب وقع على ترك الأفضل ، لأنه كان الأفضل والأولى حينئذ في ذلك الوقت الاثخان وترك الفداء ، قطعا للأطماع . ولولا أن ذلك من باب الأولى والأفضل ، لما فوض رسول الله