فخر الدين الرازي
316
الأربعين في أصول الدين
نقول : هذه الصحة كانت ثابتة لكل واحدة من القدرتين عند الانفراد . فإذا بقيتا عند الاجتماع ، يلزم منه صحة الجمع بين الضدين . وهو محال وان زالتا أو زالت إحداهما . فهو محال للوجوه التي ذكرناها . فعلم : أن القول بوجود الإلهين يفضى إلى هذا المحال . فكان القول به محالا . قوله : « لو حصل في الوجود إلهان ، لكان كل واحد منهما حكيما . وذلك يوجب توافقهما » قلنا : الفعل اما أن يتوقف على الداعي أو لا يتوقف . فان توقف لزم الجبر . وإذا لزم الجبر لم تكن فاعلية الله تعالى موقوفة على رعاية المصالح ، فلم يلزم من خلو الفعل عن المصلحة ، أن لا يكون مراد الوقوع لله تعالى . فلم يلزم من كون المصلحة واحدة ، عدم المخالفة . وان لم يتوقف الفعل على الداعي ، لم يلزم من استواء الضدين في المصلحة والمفسدة ، عدم الترجيح في القصد والإرادة . فثبت : أن هذا السؤال لا يمنع من صحة المخالفة . قوله : « الشيء الّذي هو معلوم الوقوع واحد . وذلك يمنع من الاختلاف في الإرادة » قلنا : إرادة الوقوع متقدمة على الوقوع ، الّذي هو متقدم على العلم بالوقوع . فيمتنع أن يكون العلم بالوقوع سببا لإرادة الوقوع ، والا لزم الدور . قوله : « هذه الأقسام الثلاثة انما تتولد من حصول المخالفة لا من صحة المخالفة » . قلنا : هاهنا مقدمة يقينية . وهي أن كل ما كان ممكنا ، لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فلو كانت المخالفة ممكنة ، لم يلزم من فرض وقوعها محال . لكنه قد لزم المحال من فرض وقوعها . وعند هذا نقول : لو فرضنا إلهين ، لكانت المخالفة بينهما . اما أن تكون ممكنة ، واما أن لا تكون ممكنة . والقسمان باطلان ، فبطل القول بوجود الإلهين .