فخر الدين الرازي
317
الأربعين في أصول الدين
الحجة الثالثة على امتناع وجود الإلهين : هي أنا لو فرضنا إلهين ، لكان كل واحد منهما قادرا على جميع الممكنات ، لأن صفة القادرية لما كانت في حق كل واحد منهما من لوازم الذات ، وكانت نسبة تلك القادرية إلى جميع الممكنات على السوية ، وجب كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات . وإذا ثبت هذا ، لزم أن كل ما كان مقدورا لأحدهما فهو بعينه مقدور للآخر من جهة واحدة . وهي جهة الايجاد والاختراع . الا أن ذلك محال ، لأن كل ما كان مقدورا لقادر ، صح منه ايجاده . وإذا قصد كل واحد منهما إلى ايجاده . فاما أن يقع ذلك المقدور بهما معا ، أو لا يقع بواحد منهما ، أو يقع بأحدهما دون الثاني . والأقسام الثلاثة باطلة . أما القسم الأول - وهو وقوعه بهما جميعا - فهذا محال . لأن اسناد الأثر إلى المؤثر ، انما كان لامكانه وجوازه . والأثر إذا أخذ مع المؤثر التام ، كان واجب الوجود . وكونه واجب الوجود يمنعه من اسناده إلى القدرة الثانية . فكون الفعل مع القدرة الثانية ، يمنع من الاسناد إلى القدرة الأولى . فيلزم أن يكون حال وقوعه بكل واحدة من القدرتين أن يكون واجب الانقطاع عن كل واحد منهما . وهو جمع بين النقيضين . وهو محال . وأما القسم الثاني - وهو أن لا يقع بواحد منهما - فهو أيضا محال . لأن المانع من وقوعه بهذه القدرة ، وقوعه بتلك القدرة . والمانع من وقوعه بتلك القدرة : وقوعه بهذه القدرة . فلا يمتنع هذا الا إذا وجد ذلك ، ولا يمتنع ذلك الا إذا وجد هذا . فلو امتنعا معا ، لوجدا معا . وذلك محال . فيلزم اجتماع النفي والاثبات . وهو محال . وأما القسم الثالث - وهو أن يقع بأحدهما دون الآخر - فهذا أيضا محال لوجهين :